لطالما راودتني رغبة ملحة في قراءة كتاب المفكر والزعيم السياسي البوسني علي عزت بيجوفيتش “هروبي إلى الحرية”، ذلك السفر الذي دونه خلال فترة اعتقاله في سجن “فوتشا” بيوغوسلافيا السابقة ما بين عامي 1983 و1988، حين كان يقضي حكما بالسجن لمدة 14 عاماً ضريبةً لأفكاره الإسلامية المناهضة للنظام الشيوعي آنذاك. وقد ساق لي القدر مؤخرا نقاشا ممتعا مع أحد الأصدقاء الأفاضل حول هذا الكتاب، فزودني مشكورا بنسخة منه بترجمة محمد عبد الرؤوف عن الإنجليزية (وهي الترجمة الأجود مقارنة بغيرها).
الكتاب ليس رواية تسرد أحداثا، ولا بحثا أكاديميا جافا، بل هو “مأدبة فكرية مفتوحة” تضم مجموعة ضخمة من الخواطر، الشذرات، والتأملات في كتب قرأها المؤلف. لقد وجد بيجوفيتش في الكتابة “المهرب” الوحيد للحفاظ على توازنه العقلي والنفسي أمام محاولات السجان لتحطيمه معنويا، مقدما لنا درسا بليغا في كيفية قهر الإنسان لظروفه بقوة الفكرة، أو كما قال: “إذا صح أننا نرتفع من خلال المعاناة، وتدنو نفوسنا بالراحة، فإنني بذلك قد كسبت”.
ومن بين أعمق الأفكار التي استوقفتني في هذا الكتاب، تشريح بيجوفيتش لفعل القراءة وأثره في تكوين الإنسان، وذلك في سياق حديثه عن “الفرق بين الحضارة المادية والثقافة الروحية”، إذ يقول بعبارة قاطعة: “القراءة المبالغ فيها لا تصنع مثقفا، بل تصنع أرشيفا.
(يمكن للإنسان أن يكون حرا وهو خلف القضبان،
كما يمكنه أن يكون عبدا وهو في أوسع القصور)
إن القراءة النقدية الواعية هي وحدها الكفيلة بالانتقال بالعقل البشري من مجرد وعاء لتخزين البيانات الصماء، إلى قناة تجري بالمعرفة وتروي الفكر. أما القراءة السطحية أو المبتورة، فلا تصنع إلا “أرشيفاً مشوهاً” لا يعتد به. فالقراءة ليست مجرد التهام للورق أو مسح بصري للحروف، بل هي فعل تبصري تأملي؛ ما لم يرقَ إلى درجة النقد وإعادة إنتاج المعرفة، فإنه يتحول إلى عبء بتكديس مثل أكياس للمعلومات في زوايا الدماغ دون طائل.
وفي هذا الصدد، يضيف بيجوفيتش موضحاً هذه المعضلة: “القراءة المبالغ فيها لا تجعلنا أذكياء. بعض الناس يلتهمون الكتب وهم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير الضروري لهضم المقروء… عندما يتحدث إليك أمثال هؤلاء يخرجون إليك بقطع من هيجل وهايدجر وماركس في حالة فجة غير مصنعة”. وهنا يشبه عملية القراءة بعمل النحلة التي تحتاج زمنا وعملا داخليا لتحويل الرحيق إلى عسل.
هذا التشبيه البليغ أحالني فوراً إلى تصنيف الفيلسوف الإنجليزي ‘فرانسيس بيكون” للعلماء في القرن السابع عشر، حين قسمهم إلى ثلاثة أصناف:
النمل: يجمع فقط (وهو ما يعادل الأرشيف).
العنكبوت: ينسج من ذاته فقط (مثل المنظرين المنفصلين عن الواقع).
النحل: يجمع الرحيق ثم يضيف إليه من “ذاته” ليحوله إلى عسل (وهو المثقف الحقيقي).
لهذا السبب، نجد اليوم كثيرين يحفظون الاقتباسات وتواريخ الأحداث بدقة “أرشيفية”، لكنهم عاجزون عن تحليل حدث سياسي بسيط أو اتخاذ موقف أخلاقي مركب، لأن عقولهم أدمنت “الاستدعاء” لا “التفكير”. فالثقافة “سلوك ورؤية” وليست تكدساً للمعلومات.
إن أشباه المثقفين -وفقاً لبيجوفيتش- يكدسون المعلومات “تراكميا” للانتفاع الوظيفي، بينما المثقف الحقيقي يعاني “داخليا” لتوليد موقف أخلاقي. ومن هنا يحذر بيجوفيتش من أن الثقافة بلا حضارة تنتج ما أسماه “البرابرة المتحضرين”؛ أناس يرتدون بدلات أنيقة ويحملون أعلى الدرجات العلمية، لكنهم مستعدون لتدمير العالم إذا طلبت منهم “المنظومة” ذلك، لأنهم مجرد “تروس” فعالة بلا روح.
إن التوقف عن القراءة بمعناها التأملي يحول الإنسان تدريجياً من كائن “مثقف” حر وذو ضمير، إلى مجرد كائن “متحضر” ومستهلك جيد، وتلك لعمري هي جوهر مأساة عصرنا. أما إعلان القطيعة مع القراءة فتلك جريمة يقترفها المتعلمون في حق ذاوتهم و
