تحت القائمة

لقب ممرغ في الوحل.. نالت السنغال الكأس وخسرت الروح الرياضية

✍️ منعم أولاد عبد الكريم

شخصت أبصار العالم نحو نهائي كأس أمم إفريقيا 2025، الذي جمع المنتخب الوطني المغربي بنظيره السنغالي، ودارت رحاه على أرضية “الملعب التحفة” الأمير مولاي عبد الله بالرباط، أمام جماهير غفيرة وفي أجواء تنظيمية مبهرة.

انطلقت المباراة وسط ندية كبيرة بين المنتخبين، استعرض خلالها كل فريق إمكانياته محاولاً شلَّ مفاتيح لعب الخصم. كان التنافس شريفاً بين اللاعبين فوق الميدان، بينما دارت معركة تكتيكية من الطراز الرفيع بين المدربين في دكتي البدلاء.

سارت الأمور بسلاسة إلى أن جاءت الثواني الأخيرة من المباراة، حين أعلن الحكم الكونغولي “جون جاك ندالا” عن ضربة جزاء واضحة وصريحة لفائدة المنتخب المغربي بعد العودة لتقنية “الفار”. هنا بدأت فصول مسرحية دنيئة لا تمت للرياضة بصلة، صار الهدف من ورائها واضحا، وهو نسف كل ما حققه المغرب خلال هذه الدورة بفضل مستواه التنظيمي الرفيع.

وبينما حاول منتخب السنغال (المتوج بالكان 2025) تقمص دور الضحية وممارسة نوع من “المظلومية” أمام العالم، وقع في المحظور مقترفا أفعال “عربدة” تناقلتها كبريات وسائل الإعلام الدولية بوصفها “فضيحة غير مسبوقة” في تاريخ اللعبة.

لا أظن أن ما قام به لاعبو وطاقم وجماهير المنتخب السنغالي في ملعب الرباط كان أمراً عفوياً، بل أميل بشدة إلى كونه سيناريو أُعد سلفاً؛ إذ لا يعقل لمدرب منتخب عتيد أن يطلب من لاعبيه مغادرة الملعب والانسحاب من نهائي قاري تحت أنظار العالم من تلقاء نفسه، إلا إذا كان يعاني من خلل ما! لا يمكنني تصديق ذلك، فالتصريحات التي سبقت المباراة تؤكد أن الرجل جاء إلى الرباط بنية مبيتة لإفساد هذا العرس الرياضي، وضرب المكتسبات التنظيمية للمغرب عرض الحائط، وهو الأمر الذي تقاطعت معه تصريحات وتحركات أطراف أخرى.

كان جلياً أن هناك توجها لمحاولة إخراج المغرب خاسرا من هذه الدورة حتى وإن توج بالكأس، أما وقد ضاع منه اللقب، فالخسارة في نظر “أعداء النجاح” كانت مزدوجة، وهو المشهد الذي احتفى به، للأسف، الكثيرون في أقطار إفريقية عدة.

لقد اختارت السنغال التتويج باللقب ولو على حساب الروح الرياضية والقيم الأولمبية، ولهذا سيبقى هذا اللقب ملطخا بالوحل ووصمة عار على جبين المنتخب السنغالي رغم جودة لاعبيه وقوتهم التي لا تُناقش. لقد اختاروا التنكر لقواعد اللعبة والانقلاب على قيم الرياضة، ولعب دور “مفسد الأعراس” عبر ممارسة فوضى عارمة غير آبهين بقيمة اللحظة، ولا بالمؤسسة المنظمة، ولا بالشخصيات الحاضرة، ولا حتى بمشاعر الجماهير التي تابعت المباراة داخل الملعب وخارجه.

لا يمكن التساهل مع هذا السلوك الذي وصفه النجم “ساديو ماني” بـ”الجنون” الذي “عرّض جوهر كرة القدم للخطر”، وتطلب تدخل رئيس الفيفا “جياني إنفانتينو” شخصيا، وكاد يحول ملعبا يغص بمئات الآلاف من المتفرجين إلى بؤرة صراع خطيرة. فلو أن المنتخب السنغالي فاز بروح رياضية لصفق له الجميع وهنأوه بلقب أبان عن جدارته به فنياً وتكتيكياً، وكنا سنهنئ إفريقيا بهذه الدورة الاستثنائية ونحيي المغرب على استماتته، وكان الكل سيخرج منتصراً. أما وأن المنتخب السنغالي، بقيادة مدربه، قام بما قام به، فيصعب تهنئته لأنه ظهر بمظهر الفريق المفتقد لجوهر كرة القدم: الروح الرياضية.

لقد أظهر نهائي كأس أمم إفريقيا بالملموس أن “الحقد والكراهية” هما “الرياضة” الأكثر انتشاراً في إفريقيا للأسف، وأن كل المجهودات الجبارة لتطوير الكرة الإفريقية لا تزال تصطدم بعقليات متخلفة غير قادرة على المواكبة، ولا تؤمن إلا بمقولة “أنا ومن بعدي الطوفان”.

لست أدري لماذا ذكّرني تدخل المدرب الفرنسي “كلود لوروا”، الملقب بـ”الساحر الأبيض”، وهو يحاول تهدئة الأعصاب، بالتدخل الاستعماري الأوروبي في إفريقيا بدعوى تعليمها مبادئ “التحضر” كما كانت تدعيه الحركة الإمبريالية. هل كنا بحاجة إلى تدخلات كهذه لنتفادى الفضيحة بعد كل منجزات الكرة الإفريقية؟ أظن أن هذا هو النقاش الذي يجب أن تنكب عليه “الكاف”، لأن ما حدث قد مرغ سمعة القارة الإفريقية ككل في التراب.