تحت القائمة

حين تتحول السياسة إلى ساحة لتصفية الحسابات

ليست السياسة مجرد تنافس على المواقع أو صراع حول النفوذ، بل هي في جوهرها فضاء لخدمة الصالح العام وصناعة الحلول والاستجابة لتطلعات المواطنين. غير أن المتتبع للشأن السياسي يلاحظ أحيانًا انزلاقات مؤسفة تُفرغ العمل الحزبي من معناه النبيل، حين تتحول بعض الممارسات من التنافس حول البرامج والأفكار إلى مواجهات شخصية وصراعات جانبية يغلب عليها منطق التشهير وتبادل الاتهامات.

إن مثل هذه السلوكيات لا تسيء فقط إلى الأطراف المنخرطة فيها، بل تنعكس سلبت على صورة الفعل السياسي برمته. فحين يغيب النقاش الجاد حول القضايا التنموية والاقتصادية والاجتماعية، ويحل محله خطاب التراشق والمناكفات، تتراجع ثقة المواطنين في المؤسسات وفي جدوى المشاركة السياسية، ويزداد الشعور بأن السياسة أصبحت مجالا للصراع الشخصي أكثر منها أداة لخدمة المجتمع.

وتتجلى خطورة هذا الوضع بشكل أكبر لدى فئة الشباب، التي تمثل الرصيد الحقيقي لمستقبل الحياة السياسية. فالشباب الباحث عن نماذج ملهمة وممارسات ديمقراطية راقية قد يجد نفسه أمام مشهد يفتقر إلى الجدية والمسؤولية، ما يدفعه إلى العزوف عن الانخراط في الشأن العام ويعمق فجوة الثقة بين المجتمع والفاعلين السياسيين.

كما أن هذه الممارسات تتعارض مع الجهود الوطنية الرامية إلى تخليق الحياة العامة وتعزيز الثقة في المؤسسات وترسيخ قيم المسؤولية والمحاسبة. فالتحديات التي تواجه البلاد تستدعي نقاشًا عموميًا رصينًا، قائمًا على الاختلاف المشروع في الرؤى والبرامج، لا على تصفية الحسابات أو توظيف الخطاب السياسي لأغراض شخصية ضيقة.

ومن شأن استمرار هذه الصراعات العقيمة أن يساهم في إضعاف الدور التأطيري للأحزاب السياسية، ويمنح مساحة أوسع لخطابات التشكيك والتيئيس التي تسعى إلى تقويض الثقة في العمل المؤسساتي. فكلما تراجعت مصداقية الفاعل السياسي، ازدادت صعوبة إقناع المواطنين بالمشاركة في بناء المسار الديمقراطي والمساهمة في صنع القرار العمومي.

والمغرب، وهو مقبل على استحقاقات كبرى ورهانات استراتيجية خلال السنوات المقبلة، في حاجة إلى نخب سياسية تمتلك الرؤية والكفاءة والقدرة على تقديم البدائل والحلول. فالتحديات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية، وتحسين الخدمات العمومية، وخلق فرص الشغل، وتعزيز العدالة المجالية والاجتماعية، تتطلب انشغالًا جادًا بقضايا المواطنين بدل استنزاف الجهد في معارك هامشية لا تعود بأي نفع على المجتمع.

إن المسؤولية الوطنية تقتضي من مختلف الفاعلين السياسيين الارتقاء بمستوى الخطاب والممارسة، واستحضار أن الخلاف السياسي ينبغي أن يبقى محكومًا بأخلاقيات الحوار واحترام المؤسسات والمنافسة الشريفة. فالمعركة الحقيقية ليست بين الأشخاص، بل ضد مظاهر الهشاشة والتفاوت والبطالة وكل المعيقات التي تعترض مسار التنمية.