تحت القائمة

المسرح .. تجربة رائدة لتعليم اللغة الكتالانية بمختبر النوارس للفنون في طراسة الإسبانية

أحمد اشويخين / طراسا – إسبانيا

عن المنسقة العامة لجمعية النوارس- رفيقة الموساوي

في زمن تتجه فيه المنظومات التعليمية إلى البحث عن أساليب مبتكرة تجعل التعلم أكثر قربا من المتعلمين، قدم مختبر النوارس للفنون بمدينة طراسا الإسبانية تجربة تربوية متميزة، أثبتت أن المسرح ليس مجرد فضاء للإبداع الفني، بل وسيلة فعالة لتعليم اللغات، وتنمية الشخصية، وتعزيز قيم التعايش والاندماج داخل المجتمع.

المشروع، الذي أشرفت عليه جمعية النوارس للفنون البصرية بشراكة مع مؤسسة Entorn’d Educatiu Pla التابعة لبلدية طراسا، نجح خلال فترة وجيزة في تحويل خشبة المسرح إلى فضاء للتعلم والتواصل، حيث شارك فيه أطفال وشباب من مؤسسات تعليمية مختلفة، تلقوا دروساً في اللغة الكتالانية عبر ورشات مسرحية تفاعلية، بعيدة عن أساليب التلقين التقليدية.

رؤية تربوية تجعل الفن في خدمة التعليم

انطلقت المبادرة من قناعة راسخة بأن الفن، والمسرح على وجه الخصوص، قادر على لعب أدوار تتجاوز الترفيه، ليصبح أداة تربوية تساعد الأطفال على اكتساب اللغة بطريقة طبيعية، وتمنحهم في الوقت نفسه الثقة بالنفس، والقدرة على التعبير، والعمل ضمن فريق، واحترام الآخر.

واعتمد البرنامج على المزج بين تعلم اللغة الكتالانية والأنشطة المسرحية والألعاب التربوية والنقاشات الجماعية، وهو ما جعل الأطفال يعيشون اللغة داخل مواقف حياتية وتمثيلية، بدل الاكتفاء بحفظ المفردات والقواعد.

ورغم أن مدة المشروع لم تتجاوز عشرة أيام، فإن النتائج التي حققها كانت لافتة، سواء على مستوى اكتساب اللغة أو من حيث تطور شخصية المشاركين وقدرتهم على التواصل والتفاعل.

برنامج تربوي يناسب مختلف الأعمار

قسم المشروع إلى محورين رئيسيين، روعي فيهما اختلاف الفئات العمرية واحتياجاتها النفسية والتربوية.

ففي المستوى الابتدائي، اختار المؤطرون الاشتغال على قيم الحب والتسامح والتعاون واحترام الاختلاف، من خلال سلسلة من الألعاب والتمارين المسرحية التي أتاحت للأطفال التعبير عن مشاعرهم واكتشاف أهمية الحوار والكلمة الطيبة والعمل الجماعي.

أما تلاميذ المستوى الإعدادي، فقد تناولوا موضوع الغضب باعتباره أحد أكثر المشاعر حضوراً في مرحلة المراهقة، حيث ناقشوا أسبابه وتجلياته وطرق التعامل معه بطريقة صحية، قبل أن يحولوا تلك الأفكار إلى مشاهد وتمارين مسرحية جعلت التعلم أكثر عمقا وتأثيرا.

واعتمدت الورشات على تقنيات متنوعة، من بينها تمارين الحركة والتعبير الجسدي، والارتجال، ولعب الأدوار، وهي أساليب ساعدت المشاركين على التخلص من الخجل، وتنمية مهارات التواصل والإلقاء باللغة الكتالانية.

عرضان مسرحيان يلخصان تجربة تعليمية ناجحة

واختتم المشروع بعرضين مسرحيين عكسا حصيلة الورشات التكوينية.

العرض الأول، “القلب الصغير الكبير”، حمل رسالة إنسانية تدعو إلى المحبة والتسامح والتعاون والاعتذار، فيما تناول العرض الثاني، “البركان الداخلي”، كيفية فهم الغضب وتحويله إلى طاقة إيجابية من خلال الحوار وضبط النفس.

وأظهر الأطفال والشباب خلال العرضين قدرة ملحوظة على استعمال اللغة الكتالانية بطلاقة، إلى جانب أداء مسرحي عفوي ومقنع، عكس حجم العمل الذي أنجز خلال فترة المشروع.

إشادة واسعة من الأسر والشركاء

واحتضنت قاعة Centro Cívic Alcalde Morera – Can Palet بمدينة طراسة الحفل الختامي للمبادرة، بحضور ممثلي المؤسسات الشريكة وأولياء الأمور وفعاليات مهتمة بالشأن الثقافي والتربوي.

ولقي العرضان تفاعلا كبيرا من الحضور، الذين أشادوا بالمستوى الذي قدمه الأطفال، سواء من حيث الأداء المسرحي أو مستوى التواصل باللغة الكتالانية، معتبرين أن المشروع نجح في تحقيق أهدافه التعليمية والتربوية.

وأكد رئيس الجمعية والفنان المسرحي عبد المطلب النحيلي أن هذه المبادرة تشكل أول تجربة للمختبر في توظيف المسرح لتعليم اللغة الكتالانية، معتبراً أن الفن قادر على بناء الإنسان قبل أن يصنع الفنان، وأن التربية الفنية تمثل أحد أهم مداخل إعداد أجيال أكثر وعياً وانفتاحاً.

من جهته، أوضح المشرف العام على المشروع ياسر الكرجي أن المسرح أثبت مرة أخرى قدرته على تعليم الأطفال مهارات الحياة إلى جانب اللغة، من خلال مساعدتهم على فهم مشاعرهم والتعبير عنها بطريقة إيجابية.

أما السينوغراف نور الدين الرهوني، مدير المختبر، فأكد أن النجاح الذي حققته المبادرة يعود إلى روح العمل الجماعي التي طبعت مختلف مراحل المشروع، وإلى انخراط المؤطرين والأسر والمؤسسات الشريكة في إنجاح هذه التجربة.

كما نوهت المنسقة العامة للجمعية رفيقة الموساوي بالالتزام والانضباط اللذين أظهرهما الأطفال طوال أيام الورشات، معتبرة أن تفاعل الأسر شكل دعامة أساسية لإنجاح المشروع.

وفي السياق ذاته، اعتبرت الممثلة التربوية للجهات الشريكة خديجة الساهلي أن النتائج المحققة تجاوزت التوقعات، خاصة فيما يتعلق بتحسين النطق باللغة الكتالانية وتعزيز الثقة بالنفس لدى المشاركين، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم مثل هذه المبادرات.

المسرح… استثمار في الإنسان

ولعل أهم ما ميز هذه التجربة أنها لم تقتصر على تعليم لغة جديدة، بل جعلت من المسرح وسيلة لتكوين الإنسان، عبر ترسيخ قيم الاحترام والتسامح والتعاون والإنصات، وتنمية الذكاء العاطفي لدى الأطفال والشباب.

كما كشفت التجربة عن الإمكانات الكبيرة التي يتيحها توظيف الفنون داخل المؤسسات التعليمية، باعتبارها أدوات قادرة على جعل التعلم أكثر متعة وفاعلية، وربط المعرفة بالتجربة والممارسة.

ولم يخف أولياء الأمور سعادتهم بالتغيرات التي لاحظوها على أبنائهم خلال فترة وجيزة، سواء من حيث الجرأة في التعبير، أو القدرة على التواصل، أو اكتساب اللغة الكتالانية، مطالبين بأن يتحول المشروع إلى برنامج سنوي دائم يتيح الفرصة لعدد أكبر من الأطفال للاستفادة منه.

وبنجاح هذه المبادرة، يؤكد مختبر النوارس للفنون أن المسرح ليس مجرد منصة للعروض الفنية، بل مدرسة للحياة، وجسر للتعلم، وفضاء لبناء إنسان قادر على التواصل والإبداع والاندماج الإيجابي داخل المجتمع، في تجسيد عملي لشعار الجمعية: “الفن يجمعنا… والمسرح يبني الإنسان.”