الشعبوية المغاربية..الخطر الذي يتهدد المغرب (ج 2 )
تتجلى خطورة الخطاب الشعبوي الديني بالمغرب بكونه خطاب يمهد الطريق للظفر بالسلطة وتستخدم إجراءات ديمقراطية لتخدم غايات غير ديمقراطية، وما يجسده الخطاب البنكيراني من استهداف مباشر للممارسة الديمقراطية المغربية برمتها عبر تسفيه الممارسة السياسية وتمييعها وإضفاء طابع الفساد عليها والمتحكم فيها عن بعد و استهداف النخب السياسية ووصمها بكل النعوتات الفضفاضة من فساد وريع واسترزاق، والتركيز على جعل الأحزاب السياسية عدوا وليس خصما، ودفعها إلى تبني الخطاب الشعبوي وهو الحال الذي سقط فيه حزب الاستقلال مع تجربة شباط وتم تداركها و سقط فيه اليوم حزب الحركة الشعبية مع برلمانيها وخصوصا البرلماني محمد السيمو الذي تجاوز حدوده البرلمانية وبصفته كذلك رئيس جماعة ليتدخل في اختصاصات السياسة الخارجية في العلاقة مع منطقة القبائل الجزائرية ومطالبها، كما يستهدف الخطاب الشعبوي البنكيراني ضرب كل النضالات التي خاضها الشعب المغربي من أجل الديمقراطية عرض الحائط، وتجاوز دور المؤسسة الملكية باعتبارها الضامن للوحدة والاستقرار من خلال إقناع شعبه الشعبوي انه الزعيم الخلاصي الذي أنقد المغرب من تداعيات الربيع العربي وضمن الاستقرار للبلد، وأنه من حافظ عن الطابع الديني للدولة المغربية وخلع القداسة عن شخصية الملك في دستور 2011، واستقوى على القضاء في قضية متابعة احد أعضاء حزبه المتهم بقتل الطالب آيت الجيد بنعيسى عبر مقولته ” لن نسلمكم أخانا”.

لم تخرج الشعبوية الدينية التونسية عن هذا التوجه الشعبوي الديني المغربي، بل يمكن الجزم أنهما نسختان لأصل واحد فكريا، عقائديا ومذهبيا. غير ان تأثيرهما في السياق السياسي العام لكل بلد مختلف باختلاف الأنظمة السياسية بين البلدين. فقد لعب حزب حركة النهضة بقيادة رشيد الغنوشي طيلة عشر سنوات من عمر الجمهورية التونسية ما بعد بنعلي دورا محوريا في الحياة السياسية، حيث حضر في كل التحولات السياسية منذ حكومة الترويكا إلى حين حل مجلس النواب بقرار من الرئيس الحالي قيس سعيد ويحضر اليوم بقوة في حالة الاحتقان الذي تشهدها تونس.
لن يدخل المقال في مناقشة الوضع الداخلي التونسي ولا الجزائري بالتفصيل، لأنهما يحتاجان كل على حدة الى مقال خاص، بل سيقتصر المقال على خطورة الشعبويتين التونسية الجزائرية على الدولة المغربية.
لن يختلف أحد أن استقرار بلدان الجوار يشكل مرتكزا أساسيا في استقرار المغرب، إلا أن المتتبع للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي التونسي يعلم بوضوح مدى حالة الاحتقان الخطير على المستويين السياسي والشعبي، والذي تتحمل فيه الشعبويات التونسية سواء الحزبية منها في شخص رشيد الغنوشي عن حزب حركة النهضة وفي شخص موسى عبير عن الحزب الدستوري الحر وفي شخص رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف، وسواء شعبوية رئيس الجمهورية قيس سعيد. وهو وضع تراكمي عاش فيه المجتمع التونسي على وقع الاغتيالات السياسية التي استهدفت كل من شكري بلعيد ومحمد الابراهمي، وعلى وقع التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي أنتج موجات من الانتفاضات والاحتجاجات اليومية ولا زالت إلى اليوم تدفع بالبلد إلى غياهب المجهول.
ظل المغرب حاضرا في الدهنية السياسية للشعبويين التونسيين، حيث سيخرج رشيد الغنوشي خرجة غريبة لا من حيث موقعه السياسي والدبلوماسي كرئيس للبرلمان التونسي، ولا من حيث ما يفرضه منطق التاريخ والجغرافية السياسية لشمال إفريقا، يدعو من خلالها إلى مبادرة تأسيس اتحاد المغرب العربي بدون المملكة المغربية والجمهورية الموريتانية، وهي خرجة طبعتها الشعبوية والوعي الشقي الاخواني، كان يهدف من وراءها انطلاقا من النزعة الفردانية والشعبوية والنفسية المتضخمة التي تطبع الزعيم الشعبوي، البحث عن موقع قدم في الأزمة الليبية ولعب دورا محوريا فيها، من باب دعم التوجه الاخواني الليبي المتحالف مع تركيا قصد الهيمنة والتحكم في المستقبل الليبي، وفي نفس الوقت التقرب إلى الدولة الجزائرية عبر عرقلة مخرجات حوار المصالحة الليبي بالصخيرات الذي أشرف عليه المغرب بدعم من الأمم المتحدة.
لم يقف أمر الغنوشي عند هذا الحد، بل ظل متربصا بالمملكة المغربية وقراراتها السيادية، حيث انتقد عودة العلاقات المغربية-الإسرائيلية معتبرا إياها “خروجا عن الإجماع العربي”، وهو انتقاد اعتبر أخف من انتقاده لعودة العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية التي وصمها بكل الاوصاف التخوينية، لسببين معلومين : أولهما ان عودة العلاقات المغربية الاسرائلية وقع عليها حليفه التاريخي زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي وهو حزب إخواني بامتياز، في شخص أمينه العام السيد سعد الدين العثماني من موقعه كرئيس للحكومة المغربية. وثانيها حجم العداء الذي يكنه تنظيم الاخوان المسلمين لدولة الإمارات العربية المتحدة باعتبارها حاملة لمشروع نقيض لهم في المنطقة.
لم يقتصر العداء الشعبوي التونسي للمغرب فقط في شخص زعيم حزب حركة النهضة، بل سيمتد إلى قمة الهرم السياسي للدولة التونسية في شخص رئيسها قيس سعيد. حيث وصلت العلاقات الدبلوماسية المغربية التونسية في عهده إلى أوج أزمتها، بعد سلسلة من الإشارات السلبية التي وجهها للدولة المغربية منذ حملته الانتخابية الرئاسية. لقد اختار الرئيس قيس سعيد بمنطق شعبوي محض التخلص من كل الأعراف والأدبيات الدبلوماسية التونسية منذ الاستقلال المرتكزة على الحيادية وعدم التورط في النزاعات والصراعات والتقاطبات الإقليمية، بناء توجه شخصي في السياسة الخارجية لا يختلف مطلقا عن قراراته الداخلية البعيدة عن الأعراف السياسية، يناقض الثوابت في العلاقات الدولية، ومن بينها ثابت أساسي أنه في السياسة الدولية قد يكون مد اليد إلى صديق قديم مجديا بمقدار ما تعود عليه الصداقات الجديدة بالنفع.
اختار قيس سعيد بوعي تقويض العلاقات التونسية-المغربية وتأزيمها، عندما استهدف بالمباشر وبدون موافقة النخبة السياسية التونسية التقليدية، مس أولوية السياسة الخارجية المغربية المرتكزة على قدسية الوحدة الترابية للمملكة، ورفض أي ابتزاز خارجي يقوم على المس بها. فعمد إلى استقبال زعيم جبهة البوليساريو استقبال رجال دولة، وبدعوة مباشرة من قيس سعيد لحضور قمة اليابان للتنمية في إفريقيا والتي احتضنتها تونس، مما دفع بالوفد المغربي إلى الانسحاب من القمة واستدعاء سفير المغرب واصدار وزارة الخارجية بيانا واضحا في الموضوع.
لم يكن الاستفزاز الشعبوي التونسي للمغرب دبلوماسيا محض صدفة، بل جسد علانية التحالف والتقارب الشعبوي التونسي-الجزائري على حساب المصالح الإقليمية برمتها. وفي نظري هو تقارب موضوعي نتيجة تقارب الشعبوية وأهدافها في البلدين المرتبط أساسا بالوضع الداخلي المأزوم والرغبة في تصديره إلى خارج الحدود من جهة، وهو تقارب كذلك لا يختلف عن التقاربات الواقعة بين الحركات والأحزاب وحتى الزعامات الشعبوية على المستوى الدولي من جهة ثانية.
تزعمت الشعبوية الجزائرية في عهد عبد المجيد تبون والجنرال السعيد شنقريحة نهج العداء المطلق والصبياني اتجاه الدولة المغربية، عبر تبني فكرة جوهرية في الأدبيات الشعبوية وهي نظرية المؤامرة، كنظرية الالتفاف حول واقع الأزمة التي يتخبط فيها النظام السياسي الجزائري في مواجهة المطالب الجماهيرية التي رفها الحراك الجزائري لسنة 2019 وعلى رأسها بناء الدولة المدنية ضدا في الدولة العسكرية القائمة منذ استقلال الجزائر، والتخلص من هيمنة النخب الفاسدة و معها اللوبي الاقتصادي وتوابعه من التنظيمات السياسية والنقابية، وبناء أسس الديمقراطية الحقيقية القائمة على التعددية والتمثيل وسيادة ثقافة حقوق الانسان ومحاسبة ناهبي المال العام، والحق في التنمية الاقتصادية في دولة غنية بالنفط والغاز.
سعى الخطاب الشعبوي الرسمي في الجزائر منذ تولي عبد المجيد تبون ومن وراءه المؤسسة العسكرية الى تبني خطاب اقتصادي داخلي كعملية تمويهية لتجنب الحديث عن مطالب الإصلاح السياسي، وإلى تبني خطاب مؤامراتي فريد من نوعه يتهم في كل رسائله المملكة المغربية كعدو أساسي للجزائر وانها مصدر كل الفتن و المصائب الداخلية وصلت في حد البلاهة إلى اعتبار حرائق الغابات في المناطق الغابوية الجزائرية مؤامرة مغربية ضدهم.
فبدل نهج أسلوب الحوار والتفاوض مع المغرب، بعد كل الرسائل التي وجهها المغرب لهم لطي صفحة الخلاف، من خلال خطابي العرش لسنتي 2021 و2022 والذي جاء فيهما على التوالي: “خاصة أنه لا فخامة الرئيس الجزائري الحالي، ولا حتى الرئيس السابق، ولا أنا، مسؤولين على قرار الإغلاق. لكننا مسؤولون سياسيا وأخلاقيا، على استمراره؛ أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام مواطنينا” و”إننا نتطلع، للعمل مع الرئاسة الجزائرية، لأن يضع المغرب والجزائر يدا في يد، لإقامة علاقات طبيعية، بين شعبين شقيقين، تجمعهما روابط تاريخية وإنسانية، والمصير المشترك” مما يعني ذلك كله من إرادة سياسية مغربية على وضع كل الخلافات ومتتبعاتها على طاولة المفاوضات قصد إيجاد حل إيجابي يكون منطلقا لمرحلة جديدة بين البلدين.
نجد القيادة الشعبوية في الجزائر بعيدة كل البعد عن قيادة دولة من حجم الجزائر وتاريخها وإمكانياتها، التي تتطلب من هذا الموقع النظر إلى العلاقة بين البلدين من منظور شامل يستحضر أهمية الدولتين الكبيرتين والمركبتين رغم اختلاف نظاميهما السياسي، لكن مستقبل اقتصاديهما وشعبيهما مترابطين جدا، وخصوصا في المرحلة الراهنة في ظل متغيرات جوهرية ومصيرية على مستوى تطور الاحداث الدولية، والمخاطر القادمة من دول الساحل وجنوب الصحراء ولا من حيث الوضع غير المستقر في كل من ليبيا وتونس.
إن محاولة إضعاف المغرب و العداء له عبر تحالفات شعبوية بين الجزائر وتونس، قد تجد لها موقعا مريحا ومدخلا ميسرا لها في حال حققت الشعبوية المغربية أهدافها في قتل السياسية واستهداف النخب السياسية والأحزاب السياسية والرموز الوطنية ومعها هدم المسار الديمقراطي المغربي برمته، والذي راكم ما يمكن مراكمته من إيجابيات ومكتسبات وأظهر في مساره معالم الضعف التي يتطلب العمل على تجاوزها، تكون الشعبوية بذلك قد هدمت أي مقومات للجبهة الداخلية كصمام أمان أمام أي تهديد خارجي.