وجوه أدبية بتطوان .. البشير الأزمي ، صاحب لهيبه النهم، والرواية مآله
يوسف خليل السباعي/ تطواني
كيف يمكن لنا أن نقدم الكاتب البشير الأزمي؟ قد نقول إنه ولد في سبتة ودرس في كذا، وهو أستاذ… وأنه شارك وعمل…إلى آخره. هكذا نقدم الكاتب، ولانعرف به حتى، ولا نضيف له شيئا، كما لانضيف للقارئ شيئا. ويأتي قوم يقولون إنهم يكتبون البورتريه ويجعلون الكاتب عملاقا، وفيلا، وأي شيء يسقط على رؤوسكم وفكرتم فيه. إنه النفخ في الهواء.
إن الكاتب لا يعرف إلا من خلال كتاباته، وحتى لاينزعج أحد، ليس من خلال تصريحاته وحواراته، وإنما “مواقفه، ومن يقول غير ذلك فهو لايفهم في الكتابة.
للبشير الأزمي العديد من الإصدارات القصصية، ورواية ” وجع الجذور”. كما صدر له مؤخرا كتاب قصصي بعنوان ” الموتى لايعودون”.
لماذا كتاب قصصي وليس قصص أو مجموعة قصصية أو قصات؟ لماذا كتب القاص والروائي البشير الأزمي كتاب قصصي في غلاف ” الموتى لايعودون”؟ هذا مجرد سؤال قد يجيب عنه البشير أولايجيب قط… وهذا من حقه؛ ذلك أن لا أحد يفرض عليه أن يجيب عن هذا السؤال.
في الحقيقة، أنني لم أقرأ هذا ” الكتاب القصصي”، لأنه لم يقع في يدي، ولم أراه موزعا، وقد يكون قد وزع وليس لدي علم بذلك…ولكنني سأحاول أن أجتهد قدر المستطاع وأقاربه من المعنى بشكل ما… كما لو أنني أنتج معنى خاصا بي.
في تصوري الشخصي، أن الروائي والقاص البشير الأزمي قد ضجر من كتابة قصص ومجموعة قصصية، كما فعل قاص لا أتذكر إسمه وكتب قصات. ثم، إنه، وهذا ما تخيلته، يريد أن يمنح قصصه ” تجميعا” ما، وقضية التجميع ليست مسألة عادية، فهي توحد الاختلاف دون أن تجعل من هذا التوحيد مضادا للاختلاف. فالتوحيد لا يعني التطابق، وإنما قد يعني الجمع في المفرد، أو مفرد بصيغة الجمع. إنها قصص في كتاب، والكتاب مادي، لكن له بعد روحي، وتواصلي. ليس التواصل هنا بالمعنى المباشر، وإنما غير المباشر، فالحركات الإيمائية تواصل، ولكنها تواصل بشكل غير مباشر. وإذا كان هذا الكتاب القصصي يندرج في إطار الأدب، فهذا معناه أن هذه القصص تنتمي إلى ضوء غير مباشر.
الموتى لايعودون، إلا أنهم يغيبون في الغيوم ولايعود لهم أي أثر إلا في الذكرى… شيء ما يتبقى في الذاكرة: أي في الكتاب القصصي. إذا كانت القصة القصيرة تلتقط العابر، فإنها تشتغل أيضا على الذكرى… حيث تستحضر عند لحظات الكتابة الذاكرة، والجسد… ذلك أن الكتابة تمر عبر الجسد كما كتب رولان بارت في شذرة من شذراته في كتاب” رولان بارت بقلم رولان بارت”.
إن البشير الأزمي ليس وحده من يكتب بهذا الشكل التجميعي كمثل أنتربولوجي يجمع الأساطير، وإنما هناك كتاب مثل القاص أنيس الرافعي والقاص الساخر الحسين قيسامي وآخرين. كما اشتغلت أنا بدوري على كتاب قصصي بعنوان “كاميرات”، لكنه لم يعرف طريقه إلى النور بعد.
صدر هذا الكتاب القصصي عن مطبعة الخليج العربي بتطوان، وفي طبعة أولى 2024، ويقع الكتاب القصصي في 79 صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن أربعة عشر نصاً: ( وَشْمُ الذاكرة، موتٌ، لذةُ الغموض، أَوراقُ ميت، حادثة، جسدي والجسد، أطيافُ جدي، أناشيدُ الفرح، فواجع وأصلاف، قبرٌ من أجر وإسمنت، لعبة الشطرنج، عودة الموتى، حلمٌ يقرع جدار الذاكرة، أمواتٌ بيننا).
نقرأ في الغلاف الخلفي ما يلي:
” …. اقتربَ مني وهمسَ لي:” أتَرى هؤلاء العابرين؟”، قالها وانتظر أن أجيبه. لمَاَّ لَمْ يسمعْ مني ردّاً ازداد اقتراباً مني وقال: ” هؤلاء كُلُّهُم أمواتٌ.. رغم أنك تراهم يمشون ويتحدثون بعضُهُم إلى بعض، فَهُمْ في الحقيقة أمواتٌ، يَرَوْنَنَا، يُحِسُّون بوجودنا، وتصلهم أصواتُنا. ألم تلحظ أنهم يشيرون إلينا، بل إليَّ، ألمْ تسمعهم يطلبون منّي أن ألحق بهم.”.
هممتُ أن أجيبَهُ وأقول له لا أحدَ يُكَلِّمُك.. لا أحدَ يطلب منك أن تلحق به. عدلتُ عن ذلك ليقيني أنَّ الضياعَ وخزٌ ينهشه بلا رحمة ويُلقي به في دَوَّامَة المتاهة.”.
