شفاه جافة
صخب ذابل
كل صمت ضائع
كل شيء مات في صمت
نجيب بنداود
تدخلان إلى المقهى دون صخب. تجلسان صامتتان وكل واحدة تنظر في اتجاه.
-” إنها الساعة الثامنة صباحا” قالت سعدية السمينة ذات الوجه الأزرق.
لم تلتفت إليها ياسمين النحيلة، وقالت:
-” انظري إلى ذلك الرجل الصامت الذي يجلس بالقرب من الباب. إنه صامت. إنه يقرأ كتابا بلون أخضر مثل قميصي الأخضر”.
قالت سعدية:
-” إن غلاف الكتاب يحمل صورة لقاتل صامت”
– ” أريد أن أعرف ماذا يقرأ؟!”، قالت ياسمين.
كان الرجل يقرأ رواية تحكي عن قصة قاتل. وكان يرتدي بذلة رياضية بلون رمادي ومعطفا أزرق اللون، إلا أن ما يميزه هو صمته ورائحته، ذلك العبق الذي يسحر كل من يشمه.
نهضت ياسمين. اقتربت من الرجل الغامض الصامت الذي كان تناول فطوره بشهوة، وقالت له:” هل يمكن أن أسألك ماذا تقرأ؟”
قال الرجل في سره: “هذه امرأة غبية. إنها سألتني توا وتطلب الإستئذان”.
كانت شفتاه مضمومتان وهو يقرأ في صمت لايريد أن يعكر عليه أي غريب لحظته المتفردة.
نهض الرجل تاركا الكتاب على مائدة المقهى البنية. سدد مبلغ الفطور للنادل، الذي التزم الصمت دون أن يشيح بنظره عن المرأتين، وانصرف. اقتربت سعدية بعجلة من ياسمين. نظرا إلى الكتاب.
قالت سعدية:
– رواية ” العطر”: قصة قاتل.
أخذت ياسمين الرواية، وقرأت:” في القرن الثامن عشر عاش في فرنسا رجل ينتمي إلى أكثر كائنات تلك الحقبة نبوغا وشناعة. وهي حقبة لم تكن لتفتقر إلى أمثال هذه الكائنات. وقصة هذا الرجل هي ماسنرويه هنا. كان اسمه جان بابتيست غرنوي Jean- Baptiste Grenuille. وإذا كان اسمه اليوم قد طواه النسيان، على نقيض أسماء نوابغ أوغاد آخرين، مثل دوساد، سان جوست، فوشيه أو بونابرت وغيرهم، فذلك بالتأكيد ليس نتيجة أن غرنوي، بمقارنة مع هؤلاء الرجال المريبين الأكثر شهرة، يقل عنهم تعاليا واحتقارا للبشر، ولا أخلاقية، باختصار، كفرا؛ وإنما لأن عبقريته وطموحه قد انحصرا في ميدان لايخلف وراءه أثرا في التاريخ، أي في ملكوت الروائح الزائل1″.
وضعت الكتاب على المائدة.
قالت ياسمين:” لم أشم أية رائحة؟” سعدية لم تنبس بكلمة.
بدت شفاههما جافتين.
اقترب منهما النادل وطلب منهما الابتعاد عن الكتاب، لأنه لصاحبه، وأنه الوحيد الذي قد يعرف سره وجوهره، أو قد لا يعرف شيئا.
لم يكن ذلك الرجل إلا قارئا للروايات، لكنه كان رجلا مات في صمت.
هامش
1- من رواية ” العطر: قصة قاتل” للروائي باتريك زوسكيند، ترجمة: نبيل الحفار، الناشر: دار المدى، الطبعة الخامسة 2013. ص:7
○ اللوحة للفنان التشكيلي يوسف الحداد
