■ النص آلة كسولة، يجب أن تستعيد نشاطها بفعل القارئ.
أمبرتو إيكو
لم يكن حمودة السرغيني يظن أنه بعد كل هذه السنين سيصبح بين عشية وضحاها وزيرا للتعليم والرياضة بعد التعديل في بلاد العجائب.
فمنذ أن كان عمره ٢٠ عاما وهو يعمل في التجارة، ولم تكن له أي علاقة بتاتا بالتعليم والرياضة، لأنه لم يدخل للمدرسة أبدا، فهو ورث التجارة من والده العياشي السرغيني الذي كانت جيوبه فارغة ثم أضحت عامرة بعد سنوات… ووالده ورثها من والده الذي كان يتاجر في المواد الغذائية. وفي الزمن القديم كان أجداده يتاجرون هم أيضا ولكن في العبيد، ثم بعد تحرير العبيد نسبيا بدلوها إلى المواد الغذائية.
وبصعقة برق ورعد، وبلا فهم أودراية أو معرفة، أصبح حمودة السرغيني يمتلك شركات عملاقة، وهذه الشركات متنوعة المواد والتصنيع، بيد أن مالايمكن فهمه بالتأكيد، هو أن لا أحد من البشر المنتشر في كل مكان عرف كيف وقع هذا التحول، وكيف هي التي بقيت بلا جواب، لأن لا أحد عرف كيف… وظلت الأسئلة والتساؤلات والاستفهامات والتعجبات تنتشر كحبات الرمال على وجه الأرض والكون، وانتقل الحديث لرئيس الحكومة عبد المالك الهواري، لكنه لم يبالي كما أن اختياره كان مبني على أمر سري، وهو الذي أثار الدهشة، وجعل البشر المنتشر في كل مكان ينطحون رؤوسهم مع الحائط، وخصوصا رجال ونساء التعليم وكافة الرياضيين، مع العلم أن الرياضة هي في يد أخرى.
لم يكن هذا الوزير يعجبه الجلوس في مكتبه مثل جميع الوزراء، فحمودة السرغيني كان يظل النهار برمته واقف في الدكان يبيع لكل من هب ودب، ومرة مرة يصعد على السلم ليرتب البضائع والسلع… وحتى لما امتلك شركات شتى كان يزور مكاتبه العديدة ويظل واقفا لدقائق ويغادرها دون أن يفهم أحد شيئا… من غير أن يغفل الصعود فوق السلم ضاحكا… والآن وهاهو وزير في مكتبه المجهز بكرسيه الجلدي الأسود الفخم، ومع ذلك لم يحبه، ولهذا السبب أمر مستشاريه أن يجلبوا له سلما يضعوه في المكتب يصعد فوقه متى يشاء وينزل منه متى يشاء. وحتى لما وصل خبر السلم المقيم في مكتب الوزير إلى رئيس الحكومة عبد المالك الهواري، قال لهم مبتسما:” دعوه يلعب! فكلنا فوق السلم!”.
