تحت القائمة

قصة السبت .. بائع الجرائد

يوسف خليل السباعي

حدث ذلك في الزمن الشاق:

ذات يوم من شهر يناير، وفي عز البرد، وقطرات المطر التي تنزل من وقت لآخر، ومن يوم ليوم، وفي ليلة وأخرى، أحست وردة بتألم بأنها على وشك ولادة طفل. كانت تعلم بذلك من شدة ركله لبطنها فركله كان كضربة المطرقة. كان الألم شديدا وكان الوجع شديدا وكان الليل.
سارع رجلها الحبيب إلى نقلها إلى مستشفى سانية الرمل فأدخلوها وبقي هو ينتظر.
في الفجر ومع ارتفاع صوت الآذان الذي اختلط بصوتها المرتفع وأنينها و ألمها ووجعها وصراخها ولدت طفلا.
كان الطفل قطعة لحم مكسوة بالدم، وكانت عيونه براقة وفمه مبتسم، وكان يحرك يديه بطريقة غريبة وغير عادية، كما لو أنه يمسك أوراقا بها.
مرت عشر سنوات، والطفل في الغرفة الصغيرة يلعب بالجرائد، كانت توجد أمامه مثل ألعاب الصغار، تارة ينظر إليها وتارة أخرى يمزقها، أو يبتلع أطرافا منها، إلى أن أصبحت أوراق الجرائد بحبرها تسري في دمه.
كانت أمه وردة تدعه يفعل ما يشاء بها، بينما أبوه يضحك، ولكن بما أن الحبيب كان بائع جرائد فكر في أن يجعل من إبنه جريد بائع جرائد، وهكذا علمه كيف يكون بائع جرائد مميز، فقال له:
– عليك ياجريد أن تعرف كيف تجعل البشر يشتري الجريدة؟ لا تقل لأي أحد منهم: خذ، بل قل له: إقرأ. ولاتظن أن المسألة سهلة.
كان جريد يبيع الجرائد لا بخذ ولا بإقرأ، ولكن بابتسامته، وبطريقة غريبة وغير عادية في تحريك يديه. وبعد الانتهاء من البيع يعود لغرفته الصغيرة المليئة بالجرائد يقرأ الأخبار، ثم ينام.
وككل صباح، كان يكرر نفس العملية، ويسير من نفس الدروب والأحياء، ويزور نفس المقاهي، وبعد أن يكون أحس بتعب شديد من المشي، رغم وقت الاستراحة كان يذهب إلى ظل شجرة البرتقال ويجلس تحتها وهو يفكر في الآتي، إذا ما كان سيظل بائع جرائد طوال العمر.
مرت خمسون سنة، خرج جريد وحيدا، من غرفته الصغيرة، فهو لم يتزوج، وتحديدا في شهر يونيو، وظل طوال النهار، في عز الحر، يجوب شاطئ مرتين/ل طولا وعرضا، لكن لا أحد اشترى منه الجرائد، إذ كان جميع المصطافين ينظرون إلى هواتفهم النقالة ولاوقت لديهم للقراءة!