تحت القائمة

قصة السبت .. عاشقة القهوة

■ يوسف خليل السباعي

عندما تستفيق لمياء كل صباح أول شيء تفعله بعد دخولها إلى الحمام هو شرب قهوتها.
لقد سموها، لما ذاع خبرها في الآفاق، عاشقة القهوة وكانت مشهورة عند صديقاتها بعاشقة القهوة.
لم تكن لمياء تفطر مثل صديقاتها أو النساء الأخريات التي تعرفهن أولا تعرفهن إذ منهن من أصبحت سمينة من فرط الأكل؛ كانت تكتفي بكأس قهوة واحد كل صباح، تنزله أمامها فوق المائدة أو تمسكه بيدها اليمنى، ثم ترتشف منه رشفة دقيقة وخفيفة، وعندما تكون واضعة أحمر الشفاء يظل اللون الأحمر ملتصقا بحافة الكأس.
كانت لمياء جميلة منذ صغرها، ولما كبرت قليلا صارت أجمل، ولم يعرف أحد سر جمالها هل هو شعرها الأشقر الأصيل الذي لم تعمل فيه الصباغة عملها أم عيونها الزرقاء وشفتيها الممتلئتين بأحمر الشفاه؟ لا أحد ولا واحد عرف السر.
قالوا إن سر جمالها هو في عشقها للقهوة، لكن لاشيء يؤكد ذلك علميا، وقالوا إن سر جمالها في تغيارات ملابسها، حيث تميل إلى الانسجام، أو في كونها تعرف كيف تختار الألوان المتناسبة والمتناسقة بل والمتشاكلة، كما قالوا إن سر جمالها هو أكثر من شربها للقهوة أو عشقها لها، وإنما في صدرها الناهد، وفي عيونها الزرقاء الفاتنة، وفي حركاتها وسكناتها، وفي طريقة جلستها، وفي مشيتها، أو حين يتلاعب الريح بخصلات شعرها الأصفر أو الأشقر الذهبي الذي يلمع كالشمس.
ومع أن كل هذه الأقوال المنشأة هي محض تمثلات وتخيلات، إلا أن صديقاتها والنساء الأخريات لاتصدقن كل ما يقال لاعتقادهن أن كل مايقال ليس صحيحا وأن السر يكمن في عشقها للقهوة.
عندما كانت لمياء تدخل إلى الحمام، وقبل تهييئ قهوتها المعتادة، ترى وجهها في المرآة فتسأل نفسها:
– هل كبرت فعلا؟
لقد كانت تخشى كثيرا من التجاعيد، ومن التحول العمري، تضع عجينة بيضاء على وجهها، وفي بعض الأحيان قناعا أسودا لمحو بعض خطوط التجاعيد، لكن غالبا ما كانت تظهر وهي خارجة من الحمام ورائحة القهوة تتبعها وتنتشر في أكثر من ركن في المنزل.
كانت لمياء تضع عجينة البن على وجهها بعد أن تكون قد قامت بمزجها بمادة مرطبة وكانت القهوة تجعلها مستفيقة ومتمتعة بحياتها رغم أنها كانت تضع يدها اليمنى أو اليسرى على رأسها، ولكن مع ذلك ظلت غير راضية على حياتها، وهو شيء لم تصدقه صديقاتها والنساء الأخريات، لأنهن كبرن مثلما كبرت، ومن تساؤلاتهن: لماذا كانت تبدل الرجال كما كانت تبدل أحذيتها ذات الكتب العالي؟! وقالوا إنها تعشق الرجال المتزوجين، إذ أنها دمرت أسرا كثيرة، ربما أن ساديتها ومازوشيتها يجعلانها كذلك، أو هي تفكر كذلك.
وفي هذا الباب قالوا إن لها قصصا وحكايات قد لاتسعف هذه القصة القصيرة في سردها أو روايتها.
بعد سنتين من هذا الكلام، ماتت لمياء، وحينما دفنوها في مقبرة قريبة من منزلها كان لون التراب الذي غلف جسدها في اللحاف الأبيض بني مثل لون القهوة.

■ اللوحة للفنان التشكيلي يوسف الحداد