تحت القائمة

قصة السبت .. هند السمراء

يوسف خليل السباعي

جلست هند السمراء في قصر الطيب الحراق* بكمنجتها رافعة رأسها تارة وخافضة إياه تارة أخرى.

كان عزفها على الكمنجة لذيذا. وفي كل مرة كانت تعزف بحلاوة أكثر ترتفع الآهات والتأوهات والتأودات التي تخترق سقف قصر الطيب الحراق، ومايزيد هذه الأصوات الخارجة من الحناجر ارتفاعا هو لما يصدح عوادات وعازفات جوقها النسوي التطواني بالغناء:
“حبك القمر بكمالو
شداك في النجوم إذا مالوا
الحب حلاوته في عذابه أرولي حبيبي نصطابو
شداك في العدا اذا قالوا هدوك في الغرام مايعرفو والو
حبك القمر بكمالو شداك في النجوم اذا مالوا
حبيبي غاب ومشى عليا واليوم جاو قالولي اخباره
ما صبت ما نعطيله هدية غير روحي العزيزة عليا”*
كان صوت هند السمراء يجعل الأجساد والأقواس تترنح وتهتز، وتجعل الغرام نفسه ينحني لها في وقار، بل كانت الثريات القديمة تتمايل وتتراقص مع النغمات.
في تلك الليلة وقع نبيل في حبها، ولم يكن يتوقع أنه سيتزوجها، بل كان ينوي مصاحبتها ومعاشرتها والتمتع بموسيقاها وصوتها وجسمها الأسمر الشهواني الخالب المكتنز بالملبس التقليدي التطواني والذي أسره كما أسرته عيونها العسلية وشفتيها الرطبة والجافة وأنفها الدقيق وخدودها الأسيلة.
استمرت العلاقة الغرامية بينهما لمدة ثلاثة أعوام، إلا أنه لم يكن الرجل الذي يلبي رغبتها الجنسية الحارة وشهوتها الغابوية، ذلك أن هند كانت تريد أن تمتع حيوانها متمثلة باستيهام سخونية غرفة حمام سيدي المنظري حيث يصعد من مائها بخار الرغبة والشهوة والجنس.
كان نبيل طريا مثل قطة بيضاء خجولة، ولم يكن قادرا على رفع صوته أمام هند السمراء القوية القادرة على تدبير فريق جوقها وعيش حياتها كما تريد هي، لا كما يريد نبيل الرخو، الأبيض، وكانت حينما يرتفع صوتها بالغناء يدخل الغناء إلى أبواب وأقواس الأجساد المترنحة والمتهيجة المفنية بالغرام.
كانت هند السمراء مثل ساحرة، ولكنها كذلك بغنائها وصوتها الصاعد من أحشائها، وكان نبيل يعيش كل هذه الحركات والرغبات بجعل الحاضرين في أي مناسبة يستلذون بها وبغنائها بتهييجهم إلى درجة السعار، بينما هو لايرغب في أي شيء آخر سوى أن يكون مع هند السمراء التي لم تكن تريد الاستمرار في العيش معه فانفصلت عنه، حينئذ بقي نبيل تائها في دروب وأزقة المدينة القديمة كالأحمق، والأطفال يهتفون خلفه:
– ها الحمق… والحمق
فيهرب منهم ويذهب إلى درب حمام سيدي المنظري ويجلس هناك وهو ينظر إلى بابه الأخضر القديم بعيون من حجر.
بعد سنوات عديدة، وبعد غياب، قيل إن هند السمراء تزوجت من مطرب سوري تعرفت عليه في رحلة غنائية إلى سوريا، وقيل إنها أدخلت إلى دار المسنين ببوسافو* بعد أن ضحك عليها المطرب السوري وأخذ منها ثروتها وطردها… وقيل إن لطيفة السمينة ذات الحنجرة الغليظة والصوت الرجولي الرنان تنكرت لخيرها وتآمرت عليها مع الفريق وطردتها من البيت واستولت عليه، وقيل إن هند السمراء كانت في كل صباح تذهب إلى حمام سيدي المنظري وتقف أمام الباب حيث كان يجلس نبيل فينظران إلى بابه الأخضر القديم بعيون من حجر.

إشارة

* قصر قديم في المدينة القديمة بتطوان
* مقتطف من أغنية “حبك القمر بكمالو” للفنان المرحوم عبد الصادق اشقارة.
* حي بمدينة تطوان.