حدث ذلك في أيام العمل الشاق.
كنت أجد نفسي التي تاهت مني بالقرب من شجرة البرتقال بقرية “وادي الليل”. أجلس تحت ظلها مسرحا قدمي اللذين أتعبهما المشي. كنت أضع آلة أرقام مؤشرات العداد بالقرب من الظل، وكانت الشمس تحوط شساعة القرية الصامتة الذي لا يهدد سكونها سوى نباح الكلاب.
كانت القرية متكونة من بيوت مبنية بالآجر والإسمنت وكانت تبدو عند الاقتراب منها أنها مسكونة بالأشباح، أو خاوية، ولم يكن هناك إلابنات صغيرات في عمر الزهور- ليس لآبائهم عدادات- يمشين وهن يحملن بيدونات زيت مغسولة لملأها بالماء من صنبور وحيد بالقرية وذلك بعد قطع مسافات طويلة.
كان يوجد في القرية رجل مسن لايتكلم كثيرا تعيش معه ابنته وكلابه التي يربطها بإحكام. وقد سمعت، في يوم من الأيام، وأنا أسجل أرقام مؤشر العداد، نسوة يتكلمن عن الرجل المسن (لم أستطع أن أعرف إسم ابنته أبدا) قائلات إن “امرأة” الرجل المسن قد اختفت، ولم يعد يظهر أثر لها. لم أبحث في الموضوع، لأنني كنت أكتفي بالعمل الشاق و لا أحشر نفسي في أمور الناس، إلا أنني علمت في يوم آخر أنها ماتت بالسرطان، ولم أهتم كثيرا، لأنني لا أعرف المرأة ولا حقيقتها، لأن ماكان يهمني بالدرجة الأولى هو تسجيل أرقام المؤشرات على الآلة، وإقفال الأبواب.
وفي يوم من الأيام، وفي عز الحر، ذهبت إلى بيت الرجل المسن بغاية قراءة مؤشر عداد الكهرباء، لأن الرجل لا يمتلك عقد اشتراك للماء، وأنه يستعين بموتور كهربائي يخرج به الماء ليسقي به أرضه الوحيدة.
خفت من الكلاب ونباحها الحاد. وقفت، وبقيت أنتظر لعشر دقائق. بغتة، جاء الرجل المسن ودعاني لبيته الذي لم يكن كبيرا. كان به غرفتين للنوم، وثلاجة وتلفاز صغير وزربية مغربية حمراء بخطوط سوداء ومطبخ صغير. طلب من ابنته أن تجلب لي قدح لبن طازج وخالص وكسرة خبز القمح، فأسرعت في تلبية طلب أبيها وعادت. قدمت لي كأس اللبن وكسرة خبز القمح، وهي تنظر إلى عيوني بغرابة.
اختفت البنت. خرجت من البيت الصغير بعد أن سجلت المؤشر… كان نباح الكلاب المربوطة بحبال دقيقة قد توقف، فقال لي الرجل المسن:
– لاتستمع لأولئك الحمقى. ولاتصدق كلامهم. زوجتي المسكينة مريضة فعلا، ولكنها تنتظر موتها في سكون. وابنتي الوحيدة هي التي ترعاها ولاتخرج من البيت إلا في لحظات.
ولما مددت يدي اليمنى… كان الرجل قد دخل إلى البيت الصغير، وهو يقول:
– كانت لي مقهى هناك- أشار بأصابعه الغليظة الخمسة إلى الخواء- جاء فنان ورسمها، ثم رحل. لكن الآن لم يبقى لي سوى هذه الأرض التي ترى – أشار بأصابعه الغليظة الخمسة إلى الخواء، أيضا- وزوجتي المريضة وكلابي وهذه البنت الطيبة.
لما كانت ابنة الرجل المسن تنظر إلي بغرابة لمحت عيونها الخضراء التي ذكرتني بشجرة البرتقال وبظلها وبآلة تسجيل المؤشر…
● اللوحة للفنان التشكيلي عبد الواحد أشبون
