مبروك لتطوان! لقد أصبحت بلاطو تصوير عالميًا من الدرجة الأولى، ولكن لسوء حظ أبنائها، فهم مجرد سكان أصليين لا مكان لهم في المشهد! المدينة العتيقة، أزقتها الضيقة، جدرانها البيضاء والنوافذ الخضراء ، مساجد و منازل عتيقة كل هذا صار ملكًا مشاعًا للإنتاجات الدرامية والسينمائية و الإشهارية التي تمر من هنا كالعابرين في أرض بلا أصحاب.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يتم التعامل مع تطوان وكأنها “كارت بوستال” تُستغل عند الحاجة، بينما يظل فنانوها وتقنيوها مهمشين، كأنهم غير موجودين؟ من قرر أن تكون المدينة مجرد “خلفية صامتة” في الأعمال الفنية، بينما النجوم والمبدعون يُستوردون من خارجها؟
التصوير في سرية تامة… كأن الأمر يتعلق بعملية استخباراتية!
في شهر رمضان المبارك ، حيث تزدهر الإنتاجات التلفزيونية، شهدت المدينة العتيقة في تطوان تصوير عمل سينمائي courte metrage على مدار أربعة أيام ، ولكن بطريقة أقرب إلى البعثات التجسسية منها إلى الإنتاج السينمائي العادي! لا إعلان، لا دعاية، لا إشراك للفنانين المحليين، وكأن القائمين على العمل يخشون أن يتجرأ أحد من أبناء المدينة على المطالبة بحقه في التمثيل أو حتى العمل خلف الكاميرا كتقني أو مساعد…!!!
هل أصبح الفن سرًا عسكريًا؟ هل يخشون أن يكتشف أحد أن هناك كاميرات تصور في تطوان؟ أم أن الهدف هو الاستفادة من جمال المدينة دون أي التزام تجاه فنانيها؟
تطوان ليست مدينة أشباح… فلماذا يعاملونها كذلك؟
المفارقة أن تطوان ليست مدينة بلا فن، وليست عاقرًا في الإنجاب الفني، بل على العكس تمامًا، فقد أنجبت أسماءً وازنة في المسرح، السينما، والإنتاج الفني بمختلف مجالاته، لكنهم لا يجدون مكانًا في هذه الأعمال المصورة هنا!
كلما تم تصوير عمل درامي أو سينمائي في تطوان، تجد نفس القصة تتكرر:
الممثلون يُستوردون من مدن أخرى، رغم أن تطوان تضم عشرات الوجوه القادرة على حمل أدوار رئيسية.
التقنيون يجلبون من خارج المدينة، رغم أن في تطوان مهندسي صوت، مصورين، ومصممي ديكور و مخرجين و كتاب السيناريو محترفين.
حتى الكومبارس، يتم اختيارهم بعناية، وكأن هناك خوفًا من أن يظهر وجه تطواني أمام الكاميرا بالخطأ!
فما هذا الاستغلال الممنهج؟ ولماذا أصبحت المدينة مجرد ديكور بلا روح؟
المخرجون الأوفياء: من آمنوا بتطوان كمدينة وليست كخلفية تصوير
وسط هذا الواقع، لا يمكن إنكار أن هناك مخرجين حملوا تطوان على أكتافهم، ولم يعاملوها كديكور صامت، بل كمدينة تنبض بالفن والمواهب، وأبرزهم:
الراحل محمد إسماعيل، الذي لم يكن يرى في تطوان مجرد معمار جميل، بل بيئة فنية تستحق فرصها العادلة.
محمد الشريف الطريبق، الذي كرس أعماله لإبراز المواهب الشمالية، مؤمنًا بأن الفن ليس مرتبطًا فقط بالجغرافيا، بل بالكفاءات.
الجيلالي فرحاتي، الذي لم يكن يعامل الشمال كمجرد “ديكور طبيعي”، بل كفضاء سينمائي يجب أن يكون لأبنائه نصيب فيه.
عبد السلام الكلاعي، الذي كان من القلائل الذين منحوا أبناء الشمال الفرصة لإثبات ذاتهم في أعماله.
مصطفى الشعبي، الذي لا يزال من المدافعين عن حقوق فناني وتقنيي تطوان في المشاركة الفعالة داخل الصناعة السينمائية.
هؤلاء آمنوا بأن تطوان ليست مجرد حجر وزليج، بل مدينة تعج بالمواهب التي تحتاج فقط إلى فرصة عادلة.
وفي الجهة الأخرى… سياح سينمائيون بلا انتماء!
لكن على النقيض، هناك مخرجون ومنتجون آخرون يرون تطوان مجرد “فندق مفتوح”، يستمتعون بإقامته المجانية، ثم يغادرون دون أن يتركوا أي أثر إيجابي.
يختارون المدينة العتيقة كخلفية مثالية لمشاهدهم، ثم يغلقون الأبواب أمام فنانيها.
يلتقطون سحر المكان، ثم يفضلون التعامل مع وجوه مألوفة من خارج المدينة، متجاهلين الطاقات المحلية.
يتحدثون عن “جمال تطوان” في مقابلاتهم الصحفية، ولكنهم لا يتحدثون أبدًا عن فنانيها الذين لم يمنحوا فرصة واحدة في أعمالهم!
فأي منطق هذا؟ وكيف يُعقل أن تتحول مدينة بهذا الإرث الثقافي والفني إلى مجرد استوديو مفتوح دون سكان؟
من المسؤول عن هذا الوضع؟
هنا، يأتي السؤال الأهم: من المسؤول عن هذا الاستغلال السينمائي لمدينة تطوان؟
هل هي شركات الإنتاج التي تبحث عن مواقع تصوير خلابة بأقل التكاليف، دون أي التزام تجاه المجتمع الفني المحلي؟
هل هم المخرجون الذين يفضلون العمل مع نفس الوجوه المعتادة، متجاهلين أي فرصة لاكتشاف مواهب جديدة؟
أم أن هناك جهات مسؤولة داخل المدينة نفسها تقبل بهذا الدور الثانوي، ولا تطالب بحقوق فنانيها وتقنييها؟
إذا استمر الوضع كما هو، فسنظل نرى تطوان على الشاشة، لكن بدون فنانيها. ستبقى المدينة “البطلة الصامتة” في الأعمال الفنية، بينما أبناؤها يكتفون بالفرجة على أعمال تُصور أمام منازلهم، وكأنهم غرباء عنها!
الحل؟ يكمن في كسر الصمت!
إذا كان لمدن الشمال أن تحصل على حقها في المشهد الفني فعلينا جميعا التحرك و كسر جدار الصمت يجب على كل مكونات المدينة من منتخبين و سياسيين و فنانين و مسؤولين أن يقفوا من اجل تطوان لتكون جزء من الصناعة السينمائية، بكل مكوناتها، أو أن نعلن رسميًا أنها ليست سوى “ديكور مجاني” يُستغل عند الحاجة!
فإلى متى ستظل تطوان “بلاطو تصوير فاخر”، يُستخدم ثم يُنسى؟

