فلاح واحد ووحيد بقي في التشومبيرا.
لا أحد صدق ذلك، ولكن لا أحد يعرف الآن أن هناك فلاح واحد بقي الآن، إلا عدد قليل من الناس.
كل شيء تبدل والأرض الزراعية التي كان يأكل منها الناس بمرتيل بنيت فوقها عمارات سكنية، ومقاهي ومطاعم فخمة ومستشفى جديد ومؤسسة تعليمية.
وفي البعيد توجد مقبرة وحوانيت ومحل لبيع السندويتشات.
هذا الطريق الذي أعبره كل صباح، لم أكن أعرف ماضيه إلى أن شاهدت لوحة الفنان الذي رسمها وكأنه عاش مع فلاحيها البسطاء.
لم يدع لي الفنان دقيقة واحدة للتفكير في كتابة قصة عنها. ارتبكت، ولم أعد قادرا على التفكير، إلا أن تأملي للوحة جعلني أعود إلى الحفر عن ماضي اندثر.
قلت بيني وبين نفسي:
– كل شيء يتبدل، وكل شيء يندثر.
خرج الفنان من إطار لوحته، وقال:
– هل حقيقة بقي فلاح واحد؟
قلت له:
– نعم. نعم. بقي فلاح واحد. وقد اشتريت منه رزمة جزر.
قال لي:
– ربما، إنك تحلم.
قلت له:
– اذهب، وسترى.
قال الفنان سائلا، وهو يمرر أصبعه على شاربه الأسود:
– قل لي بالله عليك، هل يوجد فلاح في التشومبيرا الشبحية؟
قلت له:
– بالتأكيد. يوجد…
كانت أرض الفلاح الوحيدة الباقية بالتشومبيرا الشبحية، ولما كنت أعبر الطريق أشم روائح براز الأبقار والخراف والدجاج، وأرى امرأته وهي تساعده في حرث الأرض. لكنني عندما كنت أنظر إلى جهة المقهى الفخمة كنت أرى في إطار لوحة كبيرة رجلا يرتدي سلهاما أبيضا وطربوشا أحمر وفي يده اليمنى كأس شاي.
● لوحة للفنان عبد الواحد أشبون
