” نحن مثل الخراف في الحقل، تلهو تحت عين الجزار الذي يختار واحداً تلو الآخر ليكون ضحيته. ولذلك فإننا في أيامنا الجيدة نكون غير واعين للشر الذي لربما يخبئه لنا القدر: المرض، الفقر، التشوه، خسارة النظر والعقل..”
● آرثر شوبنهاور
مررت ذات يوم من قدام عمارة سكنية جديدة بها العديد من الطوابق، لا أذكر اليوم تحديدا، قد يكون في شهر نوفمبر من سنة 2021، وكان المطر غزيرا، والبرد يحرق جلدي. ولم أكن أعلم أن هذه العمارة السكنية الجديدة قد بنيت في شهور قليلة.
كانت السرعة التي بنيت بها هذه العمارة المصبوغة بالأصفر غريبة ومدهشة في آن واحد، ولم يخطر في ذهني أبدا أن العضلات والسواعد وتصميم مهندس معماري واحد قادرة على استكمال هذا البناء الأصفر في شهور قليلة. وتساءلت: كيف بني برج بابل؟ كان السؤال غريبا، ولا جواب طرق بابي.
كانت شراييني تدق وأنا أرى المساحة التي بنيت عليها تلك العمارة التي ركبوا على بوابتها كاميرا شريرة تسجل كل حركة ونفس وكلمة، فلم أقترب. قد يكون سبب ذلك أني كنت على الريق، و خفت أن أتشوه.
وخيل إلي حينئذ أني أطير على جناح يمامة إلى كهف معتم، وتحديدا، إلى سنة 1995، وفي شهر نوفمبر، وكانت غزارةالمطر مثل السوط كنت أمر من نفس الطريق، ولم أتصور أن هذه المساحة ستتبدل إلى عمارة صفراء.
كانت الحركة داخل البيوت المعتمة طبيعية، والأصوات مسموعة، ومن بينها حركة في بيت عبد السلام. رجل بسيط، عاجز عن الحركة والعمل ونظره ضعيف. وفي هذا البيت كان يعيش ثمانية من البشر، وكانت بنت واحدة هي التي تتابع دراستها، أما الآخرون فلم أكن أعرف عنهم شيئا. كانت زوجته عائشة هي الوحيدة التي تعمل شيئا. غالبا ماكانت تقوم بعمل يدوي لا أعرف عنه شيئا.
كان مطر نوفمبر غزيرا. غادرت البيت. مشيت تحت المطر وتذكرت وأنا أفكر في عقلي الذي ذهب مع الريح، في البرد، وفي عمل عائشة، وفي سقف البيت الذي كانت به ثقوب كثيرة.
أعرف الآن أن البيت اختفى مثل بيوت كثيرة، ولا أثر له.