تحت القائمة

السينما والخلود .. تأملات في مهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي

تطواني / يوسف خليل السباعي

في حضن مدينة تطوان، حيث تلامس ظلال الجبال زرقة البحر، وتتهامس الأرواح بلغات الذاكرة، عشنا اليوم الثالث من مهرجان الريف الدولي للفيلم الأمازيغي في دورته السادسة، بقلب قاعة “سينما إسبانيول”، تلك القاعة التي شهدت على عقود من التحولات والصور والقصص والأفلام، وها هي تعود لتحتضن أسئلة الوجود والفن، عبر عدسة الكاميرا.

كان يوما مشبعا بحرارة الحوار وصدق التعبير، حيث اجتمع المفكرون والنقاد والفنانون لمساءلة العلاقة العميقة بين السينما وحقوق الإنسان. لم تكن نقاشات عابرة، بل كانت أشبه برقصة فكرية على حافة الأسئلة الكبرى: هل يمكن للسينما أن تكون مرآة الروح وصرخة الضمير؟ هل تستطيع الصورة أن تكون بديلاً للعدالة المؤجلة؟

بقيادة الشاعر إدريس علوش، الذي أدار اللقاء بصبر الحكماء، أضاء الكاتب الحبيب ناصري بنبراته الهادئة ظلال المعنى حين قال إن السينما تعيش اليوم مفارقة جارحة: جمهور بلا شاشة، وشاشة بلا جمهور، في زمن انفجار الوسائط وغياب التوجيه. وذكر بأن المدرسة، باعتبارها رافعة ثقافية، تبقى الفضاء الأكثر نبلاً لتربية الأجيال على الجمال، والإبداع، وحقوق الإنسان.

أما الكاتب والناقد السينمائي حمادي كيروم فقد حملنا على جناح الأسطورة، حيث استعاد حكاية جلجامش وتوقه للخلود، ليقارنها بالسينما، التي تخلّد الإنسان، لا بجسده، بل بما يتركه من أثر. وأثار تساؤلات وجودية حول ما إذا كان من واجب المخرج أن يُؤطر فنه ضمن رؤية حقوقية، مستعرضاً نماذج من رواد السينما المغربية الذين لامسوا قضايا كبرى، من محمد الركاب إلى البوعناني، دون أن يقعوا في فخ التنميط.

وفي مداخلة فريدة، أشار كيروم إلى أن الأفلام التي قاربت “سنوات الرصاص” تجنبت التورط في رسم ملامح الجلاد، ربما خشية من مساءلة الذاكرة أو انكسار الصورة. ورغم ذلك، فإن السينما المغربية، كما أكد، أثبتت قدرتها على تقديم أعمال تنبض بالجمال والصدق والخلق، لأن جوهرها هو الإبداع، لا الخطاب.

وفي لقاء ثان، وداخل القاعة ذاتها، حلق بنا المخرج محمد عبد الرحمن التازي، في “ماستر كلاس” غني بالذكريات، حاوره الإعلامي أحمد طنيش في ثلاث مراحل. ابتدأ بسيرة طفولة مشبعة بالدهشة، حيث كانت مكتبة والده، المنجم العارف، بوابة لاكتشاف الحروف والنجوم معاً، ليتحول شغف القراءة إلى شغف بالسينما، ثم إلى مسار فني عريق.

في المرحلة الثانية، لامس التازي حاضر السينما المغربية، حيث تحدّث بصراحة عن تحديات الإنتاج والدعم والبيروقراطية، التي تُقيد أحلام المخرجين، حتى وهو، أحد رموزها، لم يسلم من العرقلة.

أما في المرحلة الثالثة، فقد أبحر بنا في أفلامه التي أصبحت علامات، كـ”باديس” و”البحث عن زوج امرأتي”، مؤكداً عشقه للتراث كجذر ينهل منه المعنى، لا كقيد يحصر الإبداع.

هكذا كان اليوم الثالث من مهرجان الريف: أشبه بوردة ذاكرة تفوح منها رائحة الأرض، ممزوجة بحبر السيناريوهات، وعرق الحالمين. لأن السينما، في نهاية المطاف، ليست فقط فنا، بل فعل بقاء، ومقاومة، وحب للإنسان.