تحت القائمة

“هسيس الغرباء” لعبد الحميد البجوقي في ضوء مفاهيم رولان بارت

ورقة أعدت من طرف ذ.ا وفكرة يوسف خليل السباعي لإدراك كيفية اختلاف الرؤى والمفاهيم والتصورات والقراءات والتأويلات في مقاربة رواية من الروايات

لنفترض أن رواية ” هسيس الغرباء” لعبد الحميد البجوقي وقعت في يد رولان بارت، ماذا كان سيفعل بها؟!
لنقم بهذه المحاولة رغم أن المسألة هنا هي مجرد لعبة أوأثر تخييلي:

مقدمة

تُعَدّ رواية هسيس الغرباء لعبد الحميد البجوقي من الأعمال الأدبية التي تُعالج قضايا معاصرة وحارقة مثل الهجرة غير النظامية، الاغتراب، والهوية الممزقة. وقد اعتمدت العديد من القراءات على المقاربة الواقعية والسوسيولوجية لفهمها. لكن بالإمكان إعادة تفكيك هذا العمل الأدبي من خلال مفاهيم رولان بارت، لا سيما أفكاره حول موت المؤلف، والنص بوصفه نسيجًا لغويًا وثقافيًا، والقارئ كمنتِج للمعنى، وهي مفاهيم تفتح إمكانات جديدة لفهم النص وتحريره من قيود القراءة المرجعية.

أولًا: موت المؤلف… وانفتاح النص

أطلق رولان بارت مفهوم “موت المؤلف” كصرخة ضد السلطة التي يمنحها النقد الأدبي التقليدي للمؤلف بوصفه مركزًا للدلالة. في هذا السياق، لا تُقرأ هسيس الغرباء كصدى لتجربة عبد الحميد البجوقي الشخصية في المنفى، بل كنص أدبي مستقل، ينفصل عن نية الكاتب، ويخضع لإرادة القراءة والتأويل.

مثلًا، مشهد محاولة عبور الحدود الجماعية الذي يبدو للوهلة الأولى تجسيدًا لمعاناة جماعية، يتحوّل، إذا نُزع عن خلفيته الواقعية، إلى رمز متعدد الطبقات: رمز للفصل بين الذات والآخر، بين الحلم والحقيقة، بين اللغة والصمت. هذه الطبقات لا يحددها المؤلف بل تُنتج عند كل قراءة جديدة للنص.

ثانيًا: النص كنسيج من العلامات لا كمرآة للواقع

يعتبر بارت أن النص الأدبي هو نسيج من العلامات لا مرآة تعكس الواقع. وفي هذا الإطار، فإن هسيس الغرباء ليست فقط رواية عن الهجرة أو الاغتصاب أو المآسي، بل فضاء دلالي مركّب تتقاطع فيه عناصر ثقافية، سردية، وأسطورية.

شخصية خديجة التي احتُجزت بعد تعرضها للاغتصاب ليست مجرد ضحية، بل تتحول داخل النص إلى علامة مفتوحة يمكن قراءتها كمجاز عن الصمت الجمعي، عن العنف البنيوي، وعن الذاكرة المقموعة.

أما شخصية أنطونيو، الذي يلعب دورًا في تفاعلات المهاجرين، فتُقدَّم لا كعنصر خارجي فحسب، بل كجزء من بنية معقدة تكشف هشاشة مفاهيم “الآخر”، و”المنقذ”، و”المشاركة العابرة للهويات”. أنطونيو، في ضوء بارت، ليس شخصية روائية فقط، بل نص داخل النص، يُسائل الحدود الثقافية والنفسية في آن.

ثالثًا: القارئ كخالق للدلالة

يرى بارت أن القارئ هو من يمنح النص معناه الحقيقي، وليس المؤلف. ووفقًا لهذا المبدأ، لا تُقدَّم هسيس الغرباء كرسالة جاهزة بل كمجال تأويلي مفتوح، يختلف باختلاف القارئ وسياقه.

حتى الإهداء في نهاية الرواية – وهو خروج عن القاعدة التقليدية التي تضع الإهداء في بدايتها – يمكن أن يُقرأ كبنية بلاغية لا مجرد “تحية”. فحين يُهدي البجوقي روايته إلى خديجة، فهو لا يمنح صوتًا لمن لا صوت له فحسب، بل يستدرج القارئ إلى فعل القراءة بوصفه موقفًا أخلاقيًا وإنتاجًا معرفيًا، لا مجرد تعاطف عابر.

خاتمة: الرواية كحقل دلالي حرّ

تُظهر قراءة هسيس الغرباء في ضوء مفاهيم رولان بارت كيف يمكن للرواية أن تتحول من سجل لمعاناة واقعية إلى مختبر دلالي حرّ، يُفكّك فيه القارئ العلاقات بين السلطة واللغة، بين التجربة والسرد، وبين الذاتي والجمعي. إن تحرير النص من نية مؤلفه لا يقلل من عمقه الإنساني، بل يعيد تموضعه ضمن شبكة من التأويلات الممكنة، حيث تُصبح الرواية نفسها “هسيسًا” جديدًا يولده كل قارئ على طريقته، في لحظة صمت أو مقاومة.