الأحدث

تحت القائمة

جسد في العراء : قراءة لرواية ” النسر” من منظور دافيد لوبروتون

في روايته القصيرة “النسر”، يقدّم يوسف خليل السباعي نصًا سرديًا يشتبك بشكل عميق مع ثنائية الحضور والغياب، الروح والجسد، الواقع والرمز. وإذا كان أمبرتو إيكو قد اعتبر الرواية آلة لتوليد التأويلات، فإن رواية “النسر” تنفتح بشكل خاص على قراءة أنثروبولوجية تستلهم من تصور دافيد لوبروتون للجسد، لا بوصفه كيانًا بيولوجيًا فحسب، بل باعتباره وسيلة وجود، لغة تعبير، وموضوع تفكك.

يركّز لوبروتون على الجسد بوصفه “وسيطًا رمزيًا للوجود في العالم”، وفي “النسر”، يبدو الجسد في حالة مقاومة دائمة لسلطة المعنى النهائي. جسد عبد الرحيم، البطل المأزوم، يُقدّم في حالة هشاشة متفاقمة: يتنفس الذكريات، يترنّح في رغبته، يتآكل في حضرة الجمال، إلى أن ينتهي إلى محو ذاته، انتحارًا. إنه جسد معذّب لأنه غير قادر على ملاءمة داخله المتفجر مع الخارج المتعالي.

التحولات الحيوانية التي تشهدها الرواية (تحوّل الشيخ عبد الله إلى نسر، وهيمنة الكلب على كوثر) لا تخرج عن هذا السياق الجسدي الرمزي. الجسد البشري هنا غير كافٍ للتعبير عن الذات أو لتحمّل وجودها، فيتم استعارته أو التخلي عنه لصالح كائنات أكثر حرية، أو أكثر إخلاصًا. من خلال هذا المنظور، ينسجم طرح الرواية مع رؤية لوبروتون حين يعتبر أن “الجسد قد يغدو عبئًا لا يُحتمل، فيلجأ الإنسان إلى تغييره، إخفائه، أو حتى إزالته”.

الجسد في “النسر” لا يُختزل في حضوره الفيزيائي، بل يُشكَّل عبر نظرة الآخر، التوترات النفسية، والرموز المعلقة في فضاء النص. كوثر (هيلين) تُقدَّم كجسد جمالي يتجاوز الإدراك، لكنه أيضًا جسد محجوب ومحمي بكلب ضخم، ما يجعل جسد عبد الرحيم في موقع العجز والحرمان، وموقع التأمل المُعذَّب. العلاقة بين الجسدين ليست جسدية، بل رمزية، ممتنعة، قائمة على المسافة. هي تجسيد لما يسميه لوبروتون بـ”الجسد المُتخيَّل” الذي لا يُلامس، بل يُشتَهي ويُلاحَق.

حتى الجسد الذي يتحول إلى نسر لا يفلت من هذا التأويل. النسر ليس مجرد رمز للتحليق والحرية، بل تحوّل جذري في كينونة الشيخ عبد الله. الجسد العجوز والمحبَط يُستبدل بجسد آخر، أكثر قدرة على تجاوز الواقع الأرضي، على الرؤية من أعلى. لكنه أيضًا جسد فقد إنسانيته – أي فقد انتماءه إلى الآخر، إلى اللغة، إلى التاريخ المشترك. إنه جسد خالص، بلا كلام، بلا جراح، لكنه أيضًا بلا علاقة.

وفي النهاية، يظهر الانتحار كإلغاء للجسد – الحل الأخير لعبد الرحيم حين يعجز عن إيجاد معنى لحضوره الجسدي. يتقاطع هذا مع ما يقوله لوبروتون عن “الغياب الطوعي للجسد” كفعل احتجاج على واقع لا يُطاق. فليس الانتحار هنا موتًا بيولوجيًا فحسب، بل فعل سردي يؤكد أن الجسد حين يُخنق بالمعاني المتناقضة، لا يجد إلا الزوال كملاذ.

بهذا المعنى، تصبح “النسر” رواية عن الجسد، عن حضوره الصارخ والمقموع في آن، عن محاولات تجاوزه، تحويره، أو التخلص منه. رواية تقرأ الوجود من زاوية التجسيد، وتضع الإنسان في قلب التمزق بين أن يكون “جسدًا يتكلم”، أو “جسدًا صامتًا يُلغى”.

هكذا، في ضوء فكر دافيد لوبروتون، لا تعود “النسر” مجرد حكاية رمزية أو سردًا عبثيًا، بل نصًا جسديًا بامتياز، يكشف أن الجسد ليس فقط ما نكونه، بل ما نتحمّله، وما يُكتب من خلالنا.