تحت القائمة

الهجرة والمنفى في رواية “هسيس الغرباء”* من منظور هو مي بهابها

تفتح رواية “هسيس الغرباء” لعبد الحميد البجوقي مساحة سردية شديدة الكثافة رغم قصرها، تسائل فيها التجربة المزدوجة للمنفى القسري والهوية الملتبسة في سياق شمال جنوب متداخل ومتوتر. وعلى ضوء أطروحات الناقد ما بعد الكولونيالي هو مي بهابها، يمكن فهم هذا العمل الأدبي كتمثيل حي لمفهوم “التهجين الثقافي” و”الفضاء الثالث”، حيث لا ينتمي الأفراد بشكل صافٍ لمكان أو ثقافة واحدة، بل يعيشون في حالة دائمة من العبور والتمزق والانتماء المزدوج.

شخصية “أنطونيو”، ابن خديجة المغربية المغتصبة، نموذج مثالي لما يسميه بهابها الهوية الهجينة: رجل ينشأ في مؤسسة الدولة الإسبانية، متماهٍ مع جهازها الأمني، لكنه يحمل في جيناته وتاريخه ما يهدم تمامًا هذا الانتماء الظاهري. عندما يكتشف أصله، ينهار هذا التماهي، ويبدأ في الانتقال إلى الفضاء الثالث – ليس إسبانيا، ولا المغرب، ولا السودان – بل هوية جديدة تتشكل من الشك، ومن مواجهة التاريخ المنسي، ومن إعادة بناء الذات على أنقاض الحقيقة المطموسة. زواجه من أرملة “أمير”، وتبنيه لطفله، وتحوله إلى ربّ أسرة مهاجرة، ليس سوى تمظهر درامي لفكرة بهابها أن المنفى لا يصنع القطيعة بل التهجين، وأن ما هو بينيّ (in-between) هو الفضاء الذي تولد فيه الذات الحديثة.

الرواية كذلك تحاور خطاب الغرب الإمبريالي كما وصفه بهابها، وتكشف هشاشته من الداخل. “نيامال” السودانية، بوعيها النقدي، تهدم خطاب “الحرية والعدالة” الغربي، وتعيد تأطيره بوصفه قناعًا استعماريًا جديدًا، يُنتج العنف ويبرّره تحت شعارات إنسانية. ما تقوله ليس مجرد شكوى، بل هو ممارسة سردية لمقاومة الخطاب المهيمن، وهو ما اعتبره بهابها شكلًا من الكتابة المقاومة.

أما الأسلوب السردي الذي استخدمه البجوقي، القائم على السهل الممتنع، فإنّه يتقاطع مع مفهوم بهابها حول أن ما هو بسيط ومألوف ظاهريًا قد يخفي تحوّلات عميقة في بنية الهوية والسرد. فالبنية الزمنية الخطّية تخفي داخلها ارتدادات مكانية وزمنية تربط الماضي الاستعماري بالحاضر، وتربط بين الضحية والجلاد في صورة الابن “أنطونيو” الذي يصبح في النهاية شاهدًا وضحية ومنقذًا في آنٍ واحد. هذه المفارقة تعزز قراءة الرواية بوصفها إنتاجًا ما بعد كولونياليًا بامتياز.

وهكذا لا تكتفي رواية “هسيس الغرباء” بسرد حكاية الهجرة، بل تنبش في طبقات الهوية، وتعري إرث الاستعمار، وتعيد تشكيل الانتماء عبر فعل سردي مقاوم. إنها نصّ يُجسّد حرفيًا ما دعا إليه هو مي بهابها من خلخلة للثنائيات (مركز/هامش، أبيض/أسود، مستعمِر/مستعمَر)، ويمنح صوتًا لأولئك الذين يعيشون على التخوم، ويكتبون من الهامش لا طلبًا للاعتراف، بل لتفكيك البنية ذاتها التي أنتجت الهامشية.

هو مي بهابها هو مفكر وناقد أدبي هندي الأصل، يُعد من أبرز منظّري ما بعد الاستعمار. عُرف بمفاهيمه حول التهجين (Hybridity)المحاكاة (Mimicry)، والفضاء الثالث (Third Space)، حيث يرى أن الهوية ليست ثابتة، بل تتشكّل من خلال الاحتكاك المستمر بين الثقافات، وخصوصًا في سياق الاستعمار وما بعده. يركّز على إعادة النظر في العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر من منظور نقدي يفكك البُنى اللغوية والثقافية للهيمنة، ويعيد للمهيمَن عليه فاعليته الرمزية.

فكرة وتجميع النصوص وتدقيق وتصحيح يوسف خليل السباعي وذ.ا

* رواية الكاتب والروائي عبد الحميد البجوقي