تحت القائمة

قصة قصيرة .. سعيد والنورس

يوسف خليل السباعي

لا أحمل أشياء كثيرة، فقط قارورة ماء وعلبة سجائر خضراء باسم “دافيدوف”، نوع راقٍ من السجائر.
فتحت العلبة بهدوء وانتزعت منها سيجارة بيضاء طويلة، كانت رقيقة كجسم امرأة بيضاء… ربما تشبه مارلين مونرو.
ضحكت السيجارة البيضاء ضحكة غريبة، وقالت بصوت أنثوي ساخر:
– كيف لك، أيها الرشيق، أن تُدخلني إلى فمك دون أن تتأمل جسدي جيدًا؟ أنا مارلين مونرو.
ترددتُ لحظة، ثم قلت في سري:
– يا للعجب! سيجارة تتكلم؟
لكن جاء صوت من بعيد، صوت غير مألوف، كأن الريح حملته من وراء البحر:
– أنت مخطئ… إنها ليست سيجارة، إنها مارلين مونرو بعينها.
قلت للصوت وأنا أحدّق في السيجارة:
– لكنني لم أحبها… ولا أحبها.
اختفى الصوت، وكانت السيجارة قد احترقت حتى نهايتها، سقط رمادها وتبخرت كما لو كانت جنية بحر.
لم أدرك أنني كنت أقف أمام البحر. بدا من بعيد كزربية زرقاء ناعمة، مرقّشة بوميض الشمس، لكن حين اقتربت، تغيّر كل شيء.
كان الموج كثيفًا، داكنًا، كليل مكفهر، يتلاطم بصمت كأنه غاضب.
أما اليابسة البنية فكانت زلقة، تُشبه درجات الإقامة التي أقطنها. مياه البحر مشبعة بطحالب بنية، تبدو منزعجة من وجودي، كأنها تنفر من قدومي دون سبب.
رفعت رأسي إلى السماء. السحب البيضاء غطّتها بكثافة، مرسومة كلوحة لا يمكن أن تُرسم إلا بيد إلهية.
جلست على الرمل، وكان باردًا، يوحي بوحدة قديمة.
فجأة، رأيت نورسًا يحلّق بخفة، يدور ثم ينقضّ، ويعود ليحلق من جديد. لمست جناحاه الماء لحظة واحدة، ثم ارتفع وفي منقاره سمكة تلمع.
أدركت، دون أن أقصد، أن شيئًا ما قد تحقّق في تلك اللحظة.
شردت بفكري إلى مكان بعيد… لكنه لم يكن بعيدًا فعلاً، فقد كان يسكنني هنا، والآن.
تذكرت “سعيد”. كان يحب الصيد. يخرج كلما سنحت له الفرصة، يحمل سنّارته وحقيبته القماشية، ويعود كل مرة خائبًا.
البحر لم يمنحه يومًا سمكة، ولا حتى ما يشبهها.
وفي هذا الصباح، رأيت بعض الصيادين واقفين فوق الحجارة البعيدة. انتظروا طويلًا… ولم يصطد أحدٌ منهم شيئًا. كانوا صامتين، كأنهم جزء من الصخر.
قلت في سري:
– النورس سعيد، لأنه اصطاد. أما سعيد، فلا يبدو أنه كان كذلك.
ضحكت. لم أعرف لماذا، لكنه ضحك خرج من أعماقي.
كان الموج يضحك، والنورس يضحك، والليل يضحك…
وكنت أنا ما أزال جالسًا أمام البحر، منذ ساعات، دون أن أحرّك قدميّ.
وعندما وقفت، كان الشاطئ خاليًا… إلا من نجوم بيضاء صغيرة مبعثرة على الرمل، تشبه سيجارة “دافيدوف” البيضاء الطويلة، ووجه مارلين مونرو، والنورس السعيد.

اللوحة للفنان التشكيلي عبد الواحد أشبون