موجة استياء جديدة .. بين شركات جهوية وتجربة أمانديس في الشمال
عماد بنهميج / تطواني
تشهد عدة مناطق في المغرب وخاصة بجهة فاس-مكناس حالة متصاعدة من الاستياء الشعبي بعد تولي الشركات الجهوية متعددة الخدمات إدارة قطاعي الماء والكهرباء. عشرات الأسر فوجئت بفواتير مرتفعة بشكل غير مبرر ما كشف عن خلل في نظام الفوترة الجديد وأثار مخاوف من أن تكون هذه البداية لمشاكل هيكلية أكبر لن يتحمل تبعاتها المواطن العادي.
لقد أصبحت تجربة الشركة الجهوية في فاس نموذجا واضحا للمخاطر المحتملة، إذ لاحظ المواطنون وصول فواتير تصل إلى 400 درهم أو أكثر رغم محدودية استهلاكهم، بينما تجاوزت بعض الحالات 800، واضطرت العديد من الأسر إلى مراجعة العدادات بشكل شخصي لتصحيح الأخطاء ما يوضح أن المشكلات ليست فردية بل منهجية، وأن الاعتماد على نظم فنية جديدة دون رقابة دقيقة قد يؤدي إلى تكرار ممارسات الشركات الأجنبية.
لا يمكن فهم المخاطر الحالية دون العودة إلى التجارب السابقة مع الشركات الأجنبية أبرزها شركة أمانديس التي أدارت قطاع الماء والكهرباء في عدة مدن بشمال المغرب. شهدت هذه المدن احتجاجات واسعة بسبب ارتفاع الفواتير بشكل غير منطقي نتيجة ضعف الشفافية وارتفاع قيمة الضرائب المرتبطة بالفواتير ونظام الأشطر، والتأخر في معالجة الشكايات تحت طائلة ” خلص وشكي “. المواطنون شعروا بأنهم مجبرون على دفع مبالغ غير عادلة مقابل خدمات أساسية ما أدى إلى موجة رفض شعبي واسعة ومطالب برحيل الشركة الفرنسية.
هذه التجربة أثبتت أن غياب الرقابة التقنية والإدارية وضعف قنوات التواصل مع المواطنين وتغاضي سلطات الرقابة عن تجاوزات الشركة المفوضة يمكن أن يؤدي إلى أزمة ثقة، بل ويحول الشركات المكلفة بتقديم الخدمات الأساسية إلى مصدر ضغط مالي واجتماعي، ولهذا فإن تجربة أمانديس بجهة الشمال تعتبر بمثابة إنذار لجميع المدن التي بدأت بالاعتماد على الشركات الجهوية إذ يمكن أن تتكرر نفس الممارسات ما لم تتخذ إجراءات رقابية صارمة.
تشير التحليلات والمعطيات إلى عدة أسباب وراء ارتفاع الفواتير المفاجئ في المدن التي تديرها الشركات الجهوية. أولا، أخطاء في قراءة العدادات حيث أظهرت ملاحظات المواطنين أن العديد من العدادات لم يتم مراجعتها بشكل دقيق قبل تطبيق النظام الجديد، وثانيا ضعف الشفافية في الفوترة وغياب معلومات واضحة عن طريقة حساب الفواتير يجعل المواطن عاجزا عن مراقبة استهلاكه الفعلي، والتأخر في معالجة الشكايات. كثير من الأسر اضطروا للانتظار لفترات طويلة قبل أن يتم تصحيح الأخطاء أو إعادة تقييم الفواتير.
لكي تحقق الشركات الجهوية أهدافها في تحسين الخدمات دون أن تتحول إلى عبء على المواطنين يجب اعتماد إصلاحات شاملة تشمل مراجعة دقيقة للعدادات والفواتير قبل تطبيق أي نظام معلوماتي جديد وتفعيل قنوات تواصل شفافة وسريعة لمعالجة شكايات المواطنين وتعزيز الرقابة التقنية والإدارية لضمان دقة النظام الجديد ومنع تكرار الأخطاء وتوعية المواطنين بأساليب متابعة استهلاكهم وحماية حقوقهم لضمان قدرتهم على التدخل قبل تراكم المشاكل.
تجربة فاس الحالية مع احتجاجات سابقة بمدن الشمال ضد أمانديس تمثل إنذارا وطنيا حول المخاطر المحتملة لانتقال إدارة الخدمات الأساسية إلى شركات جهوية دون رقابة صارمة رغم أهدافها في تأميم الخدمات للقطاع الوطني تحت رقابة وزارة الداخلية، وقد تتحول إلى عامل ضغط مالي واجتماعي على الأسر إذا لم تصحح الأخطاء بسرعة الحذر والرقابة المستمرة مع إشراك المواطنين في متابعة استهلاكهم والتأكد من شفافية الفوترة هما السبيل الوحيد لضمان قدرة المجتمع على حماية حقوقه ومنع تكرار موجات الاحتجاج الشعبي التي سبق أن عرفها المغرب في الشمال.
