أخنوش وبايتاس… حين يتحول الغرور السياسي إلى خطر على الاستقرار
✍️ عماد بنهميج / تطواني
لم تكن تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، في مقابلة على قناة “ميدي 1 تيفي”، مجرد سوء تقدير إعلامي. كانت لحظة كاشفة لعمق الأزمة التي يعيشها حزب التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يقود الحكومة، والذي يبدو أنه فقد ليس فقط قدرته على التواصل مع المواطنين، بل حتى على فهم ما يجري حوله.
حين يجيب بايتاس بتعال عن أسئلة مقدم البرنامج بخصوص مطالب الشارع المغربي الغاضب، وينفي أن تكون الاحتجاجات قد طالبت برحيل رئيس الحكومة، فهو لا يعبر عن موقف شخصي، بل عن ثقافة سياسية مغلقة داخل الحزب الحاكم، ترى في النقد الشعبي تهديدا لا إنذارا، وفي الاحتجاج علامة “سوء فهم” لا نتيجة فشل.
لكن ما لم يدركه قادة الحزب هو أن الشارع الذي خرج هذه المرة لا يشبه شوارع الأمس. إنه جيل “زاد” (Z)، جيل متعلم، رقمي، متحرر من الخطاب الحزبي التقليدي، يطالب بالكرامة والعدالة الاجتماعية. هذا الجيل لا ينتظر وعود الانتخابات، بل يصنع رأيا عاما لحظيا على شبكات التواصل، يحدد إيقاع النقاش السياسي، ويكشف هشاشة الخطاب الرسمي في كل تصريح أو بلاغ حكومي.
لقد تحول حزب الأحرار، منذ تولي عزيز أخنوش رئاسة الحكومة، إلى آلة انتخابية بلا روح سياسية. بنى خطابه على شعارات “النتائج والكفاءات”، لكنه لم يقدم سوى إدارة متخبطة ومناخ سياسي خانق. وبدل أن تكون السلطة فرصة لتصحيح المسار، أصبحت وسيلة لتكريس منطق التفوق الطبقي والعجرفة الإدارية، وكأن المغرب شركة لا دولة.
يبدو أن أخنوش ووزراءه لم يستوعبوا بعد أن أخطر ما يواجه أي حكومة ليس المعارضة، بل فقدان الثقة الشعبية. فالاحتجاجات الأخيرة لم تنطلق من فراغ، بل من شعور جماعي بأن الحكومة تتعامل مع معاناة المواطنين كأرقام في تقارير لا كحياة تستهلك كل يوم. ولأن أخنوش يصر على الصمت، يترك ناطقه بايتاس يواجه الرأي العام بخطاب إنكاري يزيد الاحتقان.
لم يعد التحالف الحكومي الثلاثي أكثر من واجهة شكلية. تصريحات نزار بركة حول فضيحة صفقة اللحوم، وكلمات فاطمة الزهراء المنصوري التي اعترفت بفشل الحكومة في مهامها، كشفت أن ما يجمع هذه الأغلبية ليس رؤية مشتركة، بل تبادل المصالح والمناصب. ومع كل أزمة جديدة، يظهر أن حزب الأحرار عاجز عن ضبط تحالفه أو حتى تماسكه الداخلي. أما الحديث عن “الإنجازات”، فهو لا يصمد أمام واقع الغلاء والبطالة وركود الأجور. فهل يكفي شعار “حزب الكفاءات” لتبرير ما لا يمكن تبريره؟ الحقيقة أن حزب الأحرار فشل لأنه اعتقد أن المال والسيطرة التنظيمية يمكن أن تعوضا غياب السياسة.
لم يقف الأمر عند حدود التبرير، بل تجاوز إلى محاولة توجيه الوعي الانتخابي. فعدد من قياديي الحزب ربطوا، في خرجاتهم الإعلامية، بين استمرار حزب الأحرار في قيادة الحكومة وبين استكمال البرامج والمشاريع الجارية، في خطاب يوحي بأن التصويت للحزب في انتخابات 2026 شرط لاستمرار التنمية. وهو منطق يحول العمل الحكومي، المفترض أن يكون ملكا لجميع المغاربة، إلى أداة ضغط انتخابي مبكر، بل إلى رسالة ضمنية مفادها: “إما نحن أو التوقف عن الإصلاح”.
ربما كان الخطأ الأكبر لعزيز أخنوش أنه لم ينجح في التحول من رجل أعمال إلى رجل دولة. هو يدير الحكومة كما يُدار مشروع اقتصادي: لغة الأرقام، الصفقات، التوازن المالي، دون أن يفهم أن السياسة في جوهرها بناء للثقة لا حسابات الربح والخسارة. حتى خروجه الأخير وظهوره الإعلامي لم يُقنع المواطنين، ولم يخفف من شعورهم بالغضب أو فقدان الثقة، بل عزز الانطباع بأن رئيس الحكومة بعيد عن هموم الناس وحياتهم اليومية. وما لم يدركه أخنوش أن الاستقرار السياسي في المغرب لم يكن يوما رهين الأسعار أو المؤشرات الاقتصادية، بل مرتبط دائمًا بدرجة الإنصات للناس.
لقد أراد أخنوش أن يقدم نفسه كقائد مرحلة، فإذا به يقود حكومته نحو العزلة. وبين صمت رئيس الحكومة وغرور ناطقه الرسمي، تتآكل شرعية السلطة المنتخبة كل يوم أكثر، في انتظار لحظة مكاشفة لا يبدو أن حزب الأحرار مستعد لها بعد.
