في الوقت الذي كانت تنتظر فيه ساكنة جهة طنجة تطوان الحسيمة إشارات أمل من مجلسها الجهوي، جاءت دورة أكتوبر 2025 لتؤكد أن “الفرجة” أصبحت سياسة رسمية، وأن التنمية لم تعد سوى ديكور خطابي يرفع في المناسبات الانتخابية.
فبينما تهتز مدن الشمال باحتجاجات شباب جيل Z المطالبين بالصحة والتعليم وفرص العيش الكريم، اختار مجلس الجهة، برئاسة عمر مورو، أن يرد على هذه الأصوات بجدول أعمال يضم 135 نقطة من أصل 219 مخصصة لدعم المهرجانات الفنية.
ففي مشهد يلخص عبث الأولويات، حضر الناشط سليمان الميموني، أحد شباب جيل Z، إلى دورة أكتوبر 2025 بقميص بسيط لكنه كان أكثر بلاغة من خطب المنتخبين، كتب عليه : “الشباب: بغينا الصحة والتعليم.. مجلس الجهة : 135 نقطة من أصل 219 لدعم المهرجانات والمواسم.. الشباب: آش هذا؟!!”
بهذه العبارة الساخرة، فضح الشاب ما عجز عنه كثيرون. مجلس الجهة الذي يرأسه حزب التجمع الوطني للأحرار، حول التنمية إلى برنامج احتفالي موسمي، بينما تعيش مدن وقرى الجهة من وزان إلى شفشاون، ومن الحسيمة إلى العرائش على هامش التنمية التي تتركز في طنجة وحدها، حيث المشاريع ورؤوس الأموال والمناطق الصناعية الكبرى. جهة أصبحت تسير بسرعتين، سرعة التيجيفي في طنجة ونواحيها وسرعة القطار البطيء في بقية المدن.
إن ما يجري في مجلس جهة الشمال لم يعد مجرد سوء تدبير للمال العام، بل استهتار صريح بمفهوم التنمية الترابية، مما يوحي بأن المجلس لا يملك رؤية متوازنة في توزيع المشاريع أو عدالة مجالية حقيقية لخلق وتوزيع الثروة. هذه السياسة حولت مدينة طنجة إلى قبلة لهجرة عشرات الشباب من مدن شفشاون ووزان وتطوان والقصر الكبير والعرائش بحثا عن فرص الشغل.
كيف يمكن تبرير تخصيص هذا الكم الهائل من الدعم للمهرجانات في ظرف اجتماعي محتقن يتسم بمطالب شبابية، وبماذا ستساهم هذه المهرجانات واللقاءات الفنية في التنمية المحلية والجهوية وأصبحت الجهات المنظمة عالة على ميزانية الجهة، وملتهمة للمال العام بدون وجه حق أو حتى مساءلة حول طرق صرف الدعم العمومي بينما البطالة تضرب الشباب، والمستشفيات تئن من نقص الأجهزة، والمدارس في البوادي تفتقر إلى أبسط شروط التعليم السليم.
جهة طنجة تطوان الحسيمة لا تحتاج إلى “مهرجان كبير” جديد، بل إلى رجال دولة حقيقيين يعيدون الاعتبار للمدن والقرى المنسية حيث تحمل نساء في قرى تطوان فوق الأكتاف لعدم وجود مسالك تستطيع سيارات الإسعاف الوصول للمرضى.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى القميص الذي ارتداه شاب من جيل Z أصدق تعبير عن حال الجهة: “بغينا الصحة والتعليم… مشي المهرجانات.”
