تحت القائمة

مخدرات، أقراص مهلوسة، وكوكايين.. إلى أين؟!

لم يعد خطر المخدرات في مدن شمال المغرب مجرد ظاهرة معزولة أو حوادث متناثرة في الأحياء الهامشية. لقد أصبحنا أمام تسونامي اجتماعي صامت، يزحف بثبات نحو عمق المجتمع، يمزق نسيجه ويقوض قيمه، ويحوّل شبابًا في عمر الزهور إلى أجسادٍ تائهة وأرواحٍ مسحوقة.

في زمنٍ قريب، كان ضبط غرامات من المخدرات خبرا يتداول على استحياء. أما اليوم، فقد صار الحديث عن كيلوغرامات من الكوكايين والأقراص المهلوسة والمخدرات التركيبية القوية، وكأننا أمام تجارةٍ عابرة للحدود تُدار بعقلية مافيوزية منظمة. هذا التطور المروّع لا يعكس فقط تضاعف الكميات، بل يكشف عن تنوّع غير مسبوق في شبكات التوزيع وطرائق التهريب والترويج.

تعمل هذه الشبكات بذكاءٍ خطير، توزع الأدوار، وتستغل الفقر والبطالة والهشاشة الاجتماعية، وتغزو العالم الرقمي لترويج سمومها في غرف الدردشة ومجموعات التطبيقات المغلقة. لم تعد الأسواق التقليدية وحدها مسرحا للترويج، بل صارت الهواتف المحمولة نفسها “متاجر افتراضية” للموت، تغري المراهقين بأقراصٍ صغيرة ومذاقاتٍ قاتلة.

قرب تطوان من سبتة والساحل الأندلسي يمنح هذه المنطقة أهمية جغرافية استراتيجية؛ إنها تمثل «بوابة» طبيعية بين البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، وبنية شاطئية معقدة تسهل عبور المخدرات والأشخاص بطرق غير قانونية. هذا الواقع الجغرافي ينعكس عمليا في أشكال التهريب، شبكات تستخدم القوارب الصغيرة (الزوارق المطاطية والسريعة)، لتفريغ شحنات الكوكايين القادمة من طرق تهريب دولية قبل إعادة توزيعها داخل المغرب أو تصديرها إلى أوروبا.

ورغم المجهودات الجبّارة التي تبذلها الأجهزة الأمنية – من عناصر الأمن والدرك والقوات المساعدة، فإن الخطر اليوم أكبر من أن يواجه بالقوة وحدها. فالمسألة لم تعد تتعلق باعتقال المروجين، بل بإنقاذ مجتمع بأكمله من الانهيار البطيء.

إن أخطر ما في الأمر أن شبكات المخدرات لم تعد تبحث عن المال فقط، بل أصبحت تتاجر في الإنسان ذاته، تستهدف وعيه وعقله، وتحوله إلى أداة استهلاكية فاقدة للقدرة على المقاومة أو الإنتاج. والمحصلة، أسرٌ تتفكك، أحياء تفقد الأمان، ومدن تنام على الخوف وتستيقظ على الجرائم.

لقد آن الأوان لأن نواجه الحقيقة بشجاعة. معركة المخدرات ليست أمنية فقط، بل هي معركة وعي وضمير. تبدأ من الأسرة، والمدرسة، والإعلام، وتنتهي عند صانع القرار الذي يجب أن يدرك أن محاربة هذه الآفة لا تتمّ بالمسكنات، بل بإستراتيجية وطنية صارمة، شاملة، ومتواصلة.

نحتاج إلى حملات توعية صادقة، ومراكز تأهيل حقيقية، وبرامج دمج اجتماعي، كما نحتاج إلى قوانين تشدد العقوبة على المروجين دون أن تغفل حق المدمن في العلاج وإعادة البناء. فالمجتمع الذي يعاقب فقط دون أن يعالج، ينتج أجيالا جديدة من المجرمين لا من المتعافين.