تحت القائمة

سينما اللامرئي عند داوود أولاد السيد

يوسف خليل السباعي/ تطواني

إذا كان الناقد السينمائي حمادي كيروم يحدد سينما داوود أولاد السيد بأنها “سينما رفاهية المعنى”، فإنني أعتبرها سينما اللامرئي. فالتكوين الفوتوغرافي والسينمائي للمخرج داوود أولاد السيد، وتقنيته الفيلمية العالية، يجعلانه أحد أبرز المخرجين المغاربة الذين يمتلكون أدواتهم وآلياتهم السينمائية بوعي وإتقان. إنه لا يملك اللغة السينمائية فحسب، بل يعرف كيف يستثمر ما عاشه ورآه وسمعه، ليمنحنا عالماً بصرياً غنياً بالمعاني. فالفن عنده سابق على الصناعة، التي لا تزال السينما المغربية تسعى إلى امتلاكها.

يتجلى اللامرئي بوضوح في فيلم “المرجا الزرقا” الذي عُرض مساء الجمعة بسينما أبنيدا ضمن فعاليات مهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، في إطار مسابقة الأفلام الطويلة. فهذه الرحلة الشاقة التي يقوم بها الطفل الكفيف يوسف وجده علال في الصحراء لاكتشاف المرجا الزرقا، ليست سوى أسطورة، لكنها أسطورة تتجسد بما يُرى ويُصدَّق، لأن من يرى يؤمن بالحقيقة.

ما تنقله آلة التصوير الفوتوغرافية هو ما لا يراه يوسف، لكنه يستشعره في داخله. فالمصور لا يرى بالضرورة، بل الكاميرا هي التي ترى وتنقل إلينا عبر الكادرات والمناظر واللقطات والمشاهد حوارات وأسئلة وفضاءات نراها نحن كمشاهدين، بينما يظل يوسف غائباً عنها بحسّه البصري، حاضراً فيها ببصيرته الداخلية.
الصور الفوتوغرافية في هذا السياق غير مرئية، إنها أشباح، بينما الكاميرا السينمائية تكشف الحركة والفضاء الصحراوي والجملين والشخوص الأخرى التي ترى ولا ترى. هنا لا توجد الصناعة، بل يوجد الفن الخالص.

اللامرئي في هذه التجربة لا يأتي مما لا يُرى فحسب، بل مما نستشعره نحن كمشاهدين من خلال ما يقوله يوسف ويسأل عنه. إنه لا يرى شيئاً، لكنه يعيد بناء العالم بخياله، بل بتخييله، وهذا التخييل انفكاك دقيق وتحويل خلاق. ما نراه نحن على الشاشة لا يراه يوسف، لكنه يخبرنا أنه حقيقي، وعلينا أن نصدقه. فما يبحث عنه يوسف يدركه بحواسه، بينما نحن نلهث وراء المرجا الزرقا التي لا وجود لها في الفيلم، لكنها تتجلى في مكان آخر، أوسع وأعمق، داخل الذات.

حقيقة الفيلم إذن كامنة في الذات، في ذات داوود أولاد السيد، في ما عاشه ورآه، في طفولته وحياته، في تلك اللحظة التي التقى فيها فوجاً من المكفوفين الأجانب، وتحدث إلى أحدهم الذي كان يحمل آلة تصوير معلقة على صدره، تماماً كما يفعل يوسف في الفيلم. هناك تكمن الحقيقة كلها، لكنها حين تتحول إلى فيلم، تصبح لامرئية.

اللامرئي لا يعني أنه غير موجود، بل هو القريب منا، المقيم في داخلنا، ونحن مرآته. لقد أدرك يوسف هذه الحقيقة من خلال الفنان داوود أولاد السيد، الذي جعل من السينما طريقاً نحو رؤية ما لا يُرى، ومن الصورة وسيلة لاكتشاف ما يسكن أعماق الإنسان.