أصبحت العلاقة بين كبريات المؤسسات الاقتصادية في مدينة تطوان ومحيطها المحلي علاقة مختلة بشكل لافت، على نحو ينتقص من قيمة المدينة وساكنتها. فبينما تواصل شركات مثل لافارج، ميكومار، العمران وأمانديس التي تم التمديد لها مؤقتا وغيرها من المقالع بتراب الإقليم تحقيق أرباح طائلة عبر عقود التدبير المفوض، واستغلال الموارد الطبيعية، والإشراف على أوراش التنمية تمول أساسا من المال العام، تلوذ هذه الشركات بصمت غير مبرر تجاه نادي المغرب التطواني، الذي يشكل الواجهة التاريخية والرمزية للمدينة منذ عقود.
ولم يعد هذا الغياب مجرد نقص في الدعم، بل بات يعكس تملصا ممنهجا من مسؤولية اجتماعية ورياضية يفترض أن تكون جزءا أصيلا من ارتباط هذه المؤسسات بالتراب الذي تستفيد منه.
ويعيش نادي المغرب التطواني مفارقة جارحة، إذ يتخبط في أزمات مالية موسمية، بينما تستفيد هذه الشركات من ثروات المدينة ومشاريعها ومكانتها دون أن تقدم أي التزام يذكر. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول معنى “الارتباط بالمدينة” لدى هؤلاء الفاعلين الاقتصاديين الذين يشتغلون على أرض تطوان دون أن يردوا لها أبسط مستحقاتها الرمزية.
وما يزيد هذا الوضع تناقضا هو أن الدعم الوحيد الذي يتوصل به النادي يأتي من مؤسسة طنجة ميد، التي لا يقع نشاطها الترابي أصلا داخل مدينة تطوان، ومع ذلك لا تتردد في دعم الفريق بقدر من المسؤولية والانخراط. في المقابل، تستمر الشركات الموجودة بتطوان في التملص من أدوارها الطبيعية.
وقد أدى اعتماد النادي لسنوات على ميزانية الجماعة إلى إعفاء غير معلن لهذه الشركات من مسؤولياتها، وتحولت موارد الجماعة إلى صندوق دعم غير مباشر لمؤسسات ضخمة تستفيد من امتيازات متعددة دون أن تعيد للمدينة شيئا يعادل حجم أرباحها. وفي الوقت الذي يفترض فيه أن توجه ميزانية الجماعة إلى البنيات الأساسية والخدمات العمومية، تستنزف هذه الموارد في ترقيع ثغرات خلفها القطاع الخاص بإرادته.
ويعكس الصمت المؤسساتي الذي يرافق هذا الوضع جانبا أكثر خطورة. فالسلطات المحلية والمنتخبة، التي يفترض أن تحمي المصلحة العامة، لم تعمل على إدراج بنود ملزمة داخل عقود التدبير المفوض أو الاستغلال، تفرض على هذه الشركات تخصيص جزء بسيط من أرباحها لدعم الرياضة المحلية. وأصبح غياب هذا الإطار الإلزامي جزءا من المشكلة، إذ ساهم في تكريس ثقافة التهرب من المسؤولية، وترك الجماعة تتحمل ما كان ينبغي أن تتحمله المؤسسات المستفيدة من خيرات المدينة.
ويزداد الأمر وضوحا إذا استحضرنا التوجه القانوني للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، التي فرضت على الأندية تأسيس شركات رياضية، مما يفتح الباب أمام مساهمة المقاولات الكبرى في رأسمال الأندية بطريقة قانونية وشفافة. وقد تجسد هذا النموذج عندما ساهم مكتب الموانئ في شراء أسهم داخل الشركة الرياضية لنادي الرجاء البيضاوي، ما يؤكد أن الآليات القانونية موجودة وأن باب الانخراط مفتوح، وأن الامتناع عن ذلك ليس عجزا بل خيارا واعيا بالانسحاب من أي التزام اجتماعي تجاه نادي المدينة.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولا. فمدينة تطوان تستنزف اقتصاديا بينما يترك ناديها العريق يواجه مصيره وحيدا. والمؤسسات التي راكمت أرباحها فوق أرض تطوان وإقليمها مطالبة اليوم برد الدين، لا على سبيل المبادرة الطوعية، بل باعتباره واجبا قانونيا وأخلاقيا وتنمويا. وأي استمرار في تجاهل هذا الواجب لا يمكن وصفه إلا بأنه تقصير فادح وإمعان في إهمال نادي المغرب التطواني أحد أهم رموز المدينة.
