يأتي هذا المقال امتدادا لسيل من الاتصالات والشكايات التي توصل بها الموقع عقب التحقيق السابق حول تدبير قنصلية إسبانيا بتطوان لملفات التأشيرة، وهي تظلمات تشير –بحسب أصحابها– إلى استمرار ممارسات مثيرة للجدل ترتبط بالمعايير المعتمدة وبالخلفيات الفكرية لتيارات اليمين واليمين المتطرف التي يعتقد أنها تطغى على سلوك بعض مسؤولي القنصلية.
كما يواصل الموقع تتبع هذا الملف، ويعد بإصدار حلقات وتحقيقات جديدة فور توفر معطيات إضافية
تعيش قنصلية إسبانيا بمدينة تطوان على وقع انتقادات واسعة من مواطنين وفاعلين حقوقيين ومهنيين، بعد تواتر شكاوى تتعلق بطريقة معالجة طلبات التأشيرة، وصدور قرارات رفض اعتبرت “غير مبررة” و“تفتقر إلى الشفافية”، في وقت شرعت فيه قنصليات أخرى بالمغرب في تنفيذ قرارات وزارية جديدة لا تزال تطوان ترفض تنزيله.
رفض يطال الأطر الطبية .. ملف طبيبة نموذجا
خلال الأشهر الأخيرة، تم منع عدد من المواطنين المغاربة من السفر إلى دول أوروبية دون تقديم أسباب واضحة أو مبررات واقعية. وتشير مصادر حقوقية إلى أن ما يحدث يعكس تحيزا رمزيا وماديا ومهنيا وإنسانيا، حيث طالت قرارات الرفض أساتذة، أطباء، طلابا، مسؤولين، ومواطنين عاديين، رغم توفرهم في الغالب على ملفات مكتملة وشروط مهنية واجتماعية قوية.
أحدثت واقعة رفض ملف طبيبة أسنان معروفة بالمدينة موجة استياء كبيرة، إذ تفاجأت الطبيبة بقرار رفض طلبها بدعوى “رصيد بنكي غير كاف” رغم توفرها على حساب يفوق 100 ألف درهم. الأغرب أن القرار تضمن أيضا ملاحظة حول “عدم ضمان العودة“، وهو ما اعتبرته المعنية بالأمر إساءة غير مباشرة لإطار طبي يحظى بوضع اجتماعي مستقر، ووصفته بكونه اتهام مبطن بمحاولة الهجرة.
وتؤكد شهادات متطابقة استقاها الموقع أن القنصلية تعتمد في تعليلاتها على صيغ عامة مثل “المعلومات المقدمة غير واضحة“، دون تحديد الوثيقة أو البيان الذي يشوبه الإشكال، ما يحرم المواطنين من فهم سبب الرفض أو تقديم توضيحات وتصحيح الوثيقة موضع الإشكال، مما يجعل التعرض القانوني شبه مستحيل.
قرار وزاري إسباني يطبق في كل قنصليات المغرب إلا بتطوان
وفي هذا السياق، تثير شركات مواعيد الفيزا المتعاملة حصريا مع قنصلية إسبانيا بتطوان انتقادات حادة، إذ يتهمها مواطنون ونشطاء حقوقيون بخلق وضع احتكاري يزيد من صعوبة الولوج إلى الخدمات القنصلية، ويمنح بعض الوسطاء امتيازات غير مبررة.
وهنا تطرح أسئلة جدية حول طبيعة العلاقة بين هذه الشركات ومصالح القنصلية، في ظل استمرار تأخير تفعيل القرارات الوزارية الإسبانية الرسمية، إذ في 7 يناير 2025 بدأ تنفيذ قرار وزارة الخارجية الإسبانية الذي يتيح لحاملي تأشيرات شنغن طويلة الأمد (3 إلى 5 سنوات) تجديد طلباتهم مباشرة لدى مراكز BLS دون الحصول موعد مسبق.
ورغم أن هذا القرار يطبق بشكل عادي في طنجة والدار البيضاء والرباط، فإن مركز BLS تطوان يرفض تفعيل الامتياز، ما يجعل تطوان استثناء غير مبرر وطنيا ودبلوماسيا. هذه الوضعية بحسب مراقبين تغذي الشعور بوجود تنسيق مسبق مع مصالح القنصلية الإسبانية، وتزيد من حجم الاحتقان الاجتماعي المرتبط بملف التأشيرات.
جدل الرسوم وغياب احترام قواعد إرجاع المبالغ
المفوضية الأوروبية للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية اعتبرت أن مسألة استرجاع تكاليف “التأشيرات المرفوضة” غير مطروح ضمن القانون الأوروبي، ولا يلزم سفارات دول الاتحاد الأوروبي بإعادة المصاريف للراغبين في الحصول على “الفيزا”. ويرى قانونيون هذا التبرير غير سليم، وأن القنصليات ملزمة بتحمل الكلفة المالية للمعاملات في حال رفض الطلب، خاصة إذا كان الملف مكتملا ومستوفيا للشروط.
وأمام تكرار حالات الرفض، يعتبر مواطنون أن عدم إرجاع مصاريف الملف يشكل تحايلا غير مباشر ولا ينسجم مع معايير حقوق الإنسان الدولية ولا مع مبادئ المعاملة العادلة، لاسيما عندما لا يتم تقديم أسباب واضحة للرفض أو تحديد مكامن الخلل في الوثائق.
اتهامات بالمحاباة وقبول ملفات ناقصة
تشير مصادرنا الخاصة، إلى وجود تفاوت صارخ في دراسة الملفات، حيث تعامل بعض الطلبات المرتبطة بشخصيات معروفة أو مسؤولة بمرونة كبيرة، مقابل تشدد وتعسف تجاه أخرى تستوفي جميع الشروط. كما يتم الحديث عن حالات قبول لملفات ناقصة، مما يعزز شبهات غياب معايير موحدة أو شفافة.
أمام هذا الوضع المتصاعد من الغموض وتراكم الشكايات، تتعالى المطالب بفتح تحقيق شفاف من طرف وزارة الخارجية الإسبانية في أسلوب معالجة الملفات داخل قنصليتها بتطوان على وجه التحديد، وتطبيق القرارات الوزارية الصادرة عنها دون استثناء، واعتماد تعليلات دقيقة لقرارات الرفض، وضمان مساواة جميع الملفات دون محاباة، باعتبار أن إصلاح هذه الاختلالات بات ضروريا لاستعادة الثقة بين طالبي التأشيرة ومصالح القنصلية.
