الطالبي العلمي والاشتغال عن بعد .. انفصال ميداني عن المدينة التي انتخبته
في تصريح علني أثار استياء محليا واسعا، أعلن رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وقيادي حزب التجمع الوطني للأحرار، أنه “يشتغل مع الإخوان في تطوان عن بعد”، في إشارة صريحة إلى انفصاله الميداني عن المدينة التي انتخبته برلمانيا ووصل بواسطتها إلى أعلى موقع تشريعي في البلاد.
إذا اعتبرنا انتخابات 2021 آخر محطة انتخابية للطالبي من تطوان، فإن البيانات الرسمية تظهر أنه نجح في الحفاظ على مقعده البرلماني ما يعكس قوته السياسية على المستوى المحلي، لكنه في الحقيقة يبني نجاحه وفق شبكة العلاقات الانتخابية التي تقوم على أشخاص آخرين مثل محمد البكوري، الحسيوتي، المرحوم محمد الشرقاوي وبوحراث، الذين كان لهم دور كبير في تعبئة الأصوات وتمهيد الطريق للطالبي العلمي، بينما بقي هو المستفيد الأكبر دون أن يترك بصمة واضحة وسط الساكنة.
على مستوى الحضور المحلي، تشير المعطيات إلى أنه لم يحضر أي دورة للمجلس الجماعي لتطوان رغم انتخابه عضوا فيه لعدة دورات، وهو مؤشر عددي مباشر على انعدام التواصل مع مؤسسات المدينة المحلية، مما يفضح تناقضا بين موقعه التشريعي وممارساته في القواعد الانتخابية الأساسية.
تاريخ الطالبي في المناصب الحكومية لم يشهد مساهمات ملموسة لتطوان؛ ففي فترة توليه وزارة الشباب والرياضة، اختفى مشروع المركب الرياضي الكبير عن الأولويات، وهو ما ترك ساكنة المدينة تشعر بأن مصالحها لم تكن ضمن جدول أعماله. وحتى بعد وصوله لرئاسة مجلس النواب، لم تبرز أي مبادرات خاصة بتطوان، سواء على مستوى الدعم المالي أو السياسي أو من خلال زيارات ميدانية أو تدخلات مباشرة في قرارات تخص المدينة، التي عانت من استبعادها ضمن المدن المحتضنة لمباريات كأس أمم أفريقيا 2025 وكأس العالم 2030.
كما لم يسجل للطالبي العلمي يوما سؤالا برلمانيا مباشرا أو تدخلا سياسيا دفاعيا عن مصالح تطوان في البرلمان، بالرغم من أن حزبه يقود الحكومة مما يفترض أن يوفر له منصات ضغط وموارد سياسية لخدمة الدائرة التي انتخبته.
على المستوى الدولي، يعرف الطالبي العلمي بقدرته على تعزيز العلاقات البرلمانية الخارجية والمشاركة في منتديات دولية، إضافة إلى إشادته بمبادرات البرلمان المغربي في تعزيز الدبلوماسية التشريعية مع شركاء إفريقيين وآسيويين، وهو ما يعكس وجوده في الساحة الدولية باسم المغرب. بينما تغيب هذه الجهود تقريبا عن أي ترجمة تنموية أو سياسية تخدم الاحتياجات اليومية لمواطني تطوان.
النجاح الوطني للطالب العلمي في البرلمان لا يعوض عن غيابه الميداني في تطوان. الفجوة بين ما حققه على المستوى التشريعي وبين ما غاب عنه محليا ليست مجرد ملاحظة، بل دليل رقمي وسياسي على إخفاق في تمثيل مصالح الناخبين وحضورهم في المؤسسات المحلية التي تنتظر مشاريع وتنمية فعلية.
في ظل هذه المعطيات، تبدو مرحلة ما بعد الطالبي العلمي فرصة حاسمة للتجديد داخل حزب التجمع الوطني للأحرار بتطوان. انسحابه، أو حتى تقليص حضوره، يمكن أن يفتح الباب أمام جيل جديد قادر على إعادة ترتيب الموازين، استعادة الثقة مع الساكنة، وتقديم قيادة سياسية قادرة على دمج المدينة في أولويات الحزب ومؤسسات الدولة، بدل أن تظل مجرد مساحة رمزية ضمن الطموحات الفردية لبعض القيادات.
