سعيد الشقيري في ذمة الله .. حين تتحول اللوحة إلى نص وتتكلم الأمكنة
رحل عنا سعيد الشقيري، القاص والناقد والفنان التشكيلي، فغاب جسده وبقي أثره مفتوحا في الكتابة واللون، في القصة واللوحة، وفي تلك المنطقة الملتبسة التي لا تعترف بالفواصل الصارمة بين الفنون. إن استحضار تجربته الإبداعية اليوم لا يتم بوصفه مجرد اسم في سجل الذاكرة الثقافية، بل باعتباره نصا حيا، قابلا للقراءة من زوايا متعددة، كما لو أن رحيله لم يغلق المعنى بل وسعه.
في عالم تراجعت فيه الكتابة أمام السطحية والتكرار، اختار سعيد الشقيري أن يتحرك بين القصة والتشكيل، لا هروبا من أحدهما، بل بحثا عن أفق أرحب للقول. هنا يمكن استدعاء رولان بارت، الذي رأى أن النص ليس وعاء لمعنى ثابت، بل نسيجا من العلامات، شبكة من الدوال المتجاورة والمتصارعة.
على هذا الصعيد، تتحول لوحات المرحوم سعيد الشقيري، كما في “عيون الأمكنة” ( معرض للوحاته)، إلى نصوص بصرية، لا تقرأ بالعين وحدها، بل تفكك كما تفكك الجملة السردية، حيث يصبح اللون كلمة، والخط جملة، والفراغ علامة صامتة لكنها مشحونة بالدلالة.
إن وصف اللوحات بوصفها “سرديات” لا يبدو مجازيا هنا، بل دقيقا، لأن المشاهد يجد نفسه أمام حكايات بلا حروف، وشخصيات غير مكتوبة، لكنها قائمة داخل المحكي التشكيلي. وهذا ما ينسجم مع تصور بارت لـ”موت المؤلف”، إذ لا يعود سعيد الشقيري سلطة تفرض معنى بعينه، بل وسيطا يفتح العمل على قراءات متعددة، ويمنح المشاهد دور الشريك في إنتاج الدلالة. فالفن عنده لا يقدّم أجوبة، بل يوقظ الأسئلة، ويحرر العين من سجن العادة، كما سبق أن كتب البشير الجراري عن المعرض المذكور.
من ناحية أخرى، تتيح مفاهيم جوليا كريستيفا قراءة تجربة سعيد الشقيري بوصفها كتابة تناصية بامتياز. فنصوصه القصصية، كما لوحاته، تقوم على تداخل الأصوات والمرجعيات، بين الأدب والفن والموسيقى والمدينة والذاكرة الشخصية. إن إحالاته السردية المتعددة، ورهانه على تفاصيل الحياة الهامشية، يجعل نصه فضاء تتقاطع فيه نصوص أخرى، ظاهرة ومضمرة، ليغدو العمل فسيفساء من العلامات، لا تستمد قيمتها من الانسجام، بل من التوتر الخلاق بين عناصرها.
في هذا المنحى، يمكن لنا القول إن المرحوم سعيد الشقيري لم يكن مبدعا متعدد الاهتمامات فقط، بل كان مشروعا فنيا واحدا يتجسد بأشكال مختلفة. كما أن قِلة إنتاجه الأدبي لا تعني شح التجربة، بل ؤكد قناعته بأن الكتابة فعل تخمير بطيء، يحتاج إلى صبر القاص والفنان لا إلى استعجال السوق. واليوم، وهو يرحل، يترك لنا نصا مفتوحا، لا يختزل في قصة أو لوحة، بل في أثر إنساني وجمالي سيظل قابلا للقراءة، كلما أعدنا النظر، وكلما تجرأنا على الرؤية.
رحم الله سعيد الشقيري وأحسن مثواه، وجعل فنه شاهدا على حياة عاشت بين السرد واللون، وبين العين والذاكرة.
