توزيع المشاريع في جهة الشمال .. اختلال بنيوي يضع تطوان خارج الحسابات
تبدو جهة طنجة–تطوان–الحسيمة وهي تحدد أولوياتها وكأنها تعيد رسم خريطة النفوذ داخل المجال الترابي بطريقة لا تمر إطلاقا عبر تطوان ولا تلتفت إلى المضيق–الفنيدق. في كل دورة من دورات المجلس يتأكد أن الجهة تدار بمنطق لا علاقة له بالعدالة المجالية ولا بالإنصاف في توزيع الاستثمارات والمشاريع.
دورة مارس الجديدة ليست سوى حلقة إضافية في مسلسل توزيع انتقائي للتنمية. مشاريع في شفشاون، اتفاقيات في أصيلة، تجهيزات في طنجة، ومناطق مهنية وصناعية في الحسيمة، بينما تطوان التي تحمل اسم الجهة نفسها تبقى متوارية خارج جدول الأعمال. هذا الغياب لم يعد قابلا للتبرير باعتباره خطأ أو تقصيرا، بل بات يعكس رؤية تقصي وتستبعد دون أي مبرر موضوعي.
تطوان، التي تشكل العمق الإداري والثقافي للجهة وعاصمة تاريخية لشمال المغرب، تعامل كما لو أنها خارج الحسابات. ليس لأنها مكتفية ذاتيا ببنية تحتية كبرى، بل لأنها لا تحظى بوزن سياسي مماثل للأقاليم التي تغدق عليها البرامج. دورة بعد أخرى، يتأكد أن الأمر لم يعد مجرد انطباع بل أصبح سياسة معتمدة تنفذ بصمت.
الملفات الكبرى التي يمكن أن تغير مستقبل تطوان جذريا، لم تطرح يوما أمام المجلس، ولم تدرج حتى في مستوى “النية”. وأبرزها الربط السككي بين تطوان وطنجة، وهو مشروع قادر على إحداث تحول اقتصادي كبير من خلال تقليص المسافات وتعزيز الحركة التجارية والسياحية. لكن الجهة لم تكتف بإهماله، بل خصصت موارد لمشاريع سككية في مناطق أخرى قريبة من طنجة، متجاهلة تطوان بالكامل.
الأمر نفسه ينطبق على الطريق السيار بين تطوان وطنجة. رغم الكثافة الديموغرافية والاقتصادية بين المدينتين، لم يجد المشروع طريقه إلى أجندة المجلس، وكأن تحسين الربط الترابي بين قطبين رئيسيين في الشمال ليس أولوية رغم وضوح الحاجة إليه.
أما مركب تطوان الكبير، فهو نموذج آخر على غياب الرؤية. مشروع كان يمكن أن يعيد المدينة إلى مكانتها الإقليمية في مجالات الرياضة والبنيات الكبرى، لكنه ظل مجرد عنوان بلا محتوى، وبلا إرادة سياسية. وفي السياق نفسه، يبقى ملعب سانية الرمل خارج أي اهتمام، رغم مكانته الرمزية وتزايد الضغط عليه، في وقت تستثمر الجهة في منتزهات ومتاحف ومحطات شتوية دون أن تمنح هذه المنشأة التاريخية فرصة لتحديث يليق بها.
استمرار هذا النهج سيحول الجهة إلى جسم بخصر عريض وأطراف ممتلئة، لكن من دون قلب. وتطوان هي هذا القلب، لكونها نقطة التوازن التي تلتقي فيها الإدارة، الجامعة، التاريخ، والحياة المدنية. إقصاؤها ليس مجرد خطأ سياسي بل تفريغ للجهة من معناها الحقيقي، وتحويلها إلى تجميع لمشاريع متناثرة دون انسجام أو رؤية مشتركة.
الحل لا يكمن في إقحام مشروع هنا أو هناك لرفع الحرج، بل في إعادة بناء منطق التدبير الجهوي من أساسه. الجهة ليست مسرحا لتبادل الامتيازات ولا حقل تجريب لصراعات النفوذ. هي إطار لتحقيق تنمية عادلة، وإلا فقدت وظيفتها. وتطوان لن تقبل إلى الأبد أن تعامل كهامش إداري. لا في بنياتها الرياضية، ولا في مؤسساتها العمومية، ولا في مكانتها التاريخية والجغرافية.
