تحت القائمة

حين يتحول الألم إلى رمز في رواية “منزل الخالة حميدة” ليوسف خليل السباعي

قراءة للروائي عبد الحميد البجوقي

أتاح لي شهر رمضان الكريم قراءة مجموعة من النصوص والاصدارات، كان من بينها رواية الصديق الكاتب، القاص والروائي يوسف خليل السباعي ” منزل الخالة حميدة”. رواية قصيرة التهمتها ذات مساء، وارتأيتُ أن أخُطّ بعض ملاحظاتي في هذا النص المُثير للإنتباه.

أعترف أنني لم أقرأ أغلب نصوص الصديق يوسف خليل السباعي، وأعترف أن هذا النص كشف لي عن أسلوب روائي غير مُعتاد، وقد أتجرأ على مجال يخص النقد وأقول أنه أسلوب يقلبُ الطاولة في أسلوب الكتابة الروائية. وجدته نصًّا واعدًا في مُجمله، لما يحمله من كثافة دلالية وثراء سردي يمزج بين الذاكرة والتخييل، وبين الحكاية العائلية والتأمل الوجودي. ومن بين أجزائه المتعددة، شدّني الفصل السادس المُعَنون بـ”الباريسية” لما يتضمنه من تكثيف فني واضح لأهم عناصر الرواية ورموزها، ولما يُجسده من تداخل بين الخاص والعام، وبين الطفولة والوعي، وبين الجسد والرمز..

تنبني الرواية ـ كما يشير نص التقديم في الغلاف الخلفي ـ على استعادة الماضي عبر صورة قديمة للجدة، حيث تتحول الذاكرة إلى أداة للكشف، لا مجرد وسيلة للحكي. السارد يكتب بضمير المُتكلم، مُستعيدًا عالم الطفولة والبيت العائلي، ويُعيدُ تشكيله عبر وعي لاحق مُشبع بالتأمل الفلسفي. نص استذكاري تخييلي، تتجاوَرُ فيه التفاصيل اليومية مع أسئلة كبرى حول السلطة، والألم، والعدالة، وحتى الاغتراب والنفي، وقلق الأسئلة الوجودية ..

يبرز ـ في تقديري ـ فصل “الباريسية” بوصفه نموذجًا دالًا. الشخصية المحورية، عائشة الملقبة بالباريسية، ليست مجرد امرأة عادت من باريس ـ من الاغتراب ـ ، بل هي علامة على الاختلاف والتحول الذي جعلها تعيش اغتراب العودة.. تحمل صفة “الباريسية” إيحاءً بالحداثة والانفتاح، لكنها تعود إلى بيئة تقليدية لا تستوعب تمامًا هذا الاختلاف. من خلال منظور الطفل السارد تبدو شخصية عائشة قوية ومتمردة، لكنها في الآن نفسه مُثقلة بألم داخلي يتجسد في آلام بطن متكررة، وكأن الجسد نفسه يتحول إلى مساحة لصراع خفي بين الداخل والخارج، بين الحرية والقيود.

تكتسب الأحداث أهميتها في هذا الفصل بالخصوص من زاوية السرد، الراوي هنا يستعيدها بوعي الطفولة، حيث يمتزج الواقع بالخيال، ويتضخم الألم في المُخيِّلة ليغدو أشبه بقنبلة داخلية. تحضر كذلك رموز لافتة، مثل البئر الذي يسقط فيه طفل، فيُحيل إلى معنى السقوط في المجهول وهشاشة الحياة، والطبيب الذي يُستدعى في محاولة متأخرة للإنقاذ، فيرمز إلى حضور العقل والعلم أمام معاناة لا تفهمها الجماعة. هكذا يتجاوز النص حدود الحكاية الواقعية ليغدو بنية رمزية تعكس قلقًا إنسانيًا أعمق.

ويبرز في هذا الفصل – كما في الرواية عمومًا – الحضور القوي للشخصيات النسائية، الجدة والخالة وعائشة وغيرهن، في مقابل خفوت نسبي للشخصيات الرجالية. النساء هن محور الذاكرة والحركة والانفعال، وهن حاملات الألم والسرد معًا. ومن خلالهن تتشكل صورة البيت بوصفه فضاءً تتقاطع فيه العلاقات الإنسانية مع التحولات الاجتماعية.

خلاصة القول إن فصل “الباريسية” يختزل الرؤية العامة للنص، استعادة الماضي لا بغرض الحنين فقط، بل بغرض الفهم والتأويل. إنه يكشف عن هشاشة الإنسان أمام الألم، وعن توتر العلاقة بين المختلف وبيئته، وعن محاولة دائمة للبحث عن خلاص، سواء في الذاكرة أو في التأمل. وبذلك يؤكد هذا النص، في مجمله، أنه عمل واعد يُزاوج بين الحس الروائي والعمق الرمزي، ويمنح القارئ تجربة قراءة تتجاوز الحكاية إلى مساءلة الذات والوجود.