تعيش الأحزاب السياسية بمدينة تطوان واحدة من أكثر مراحلها ارتباكا وضعفا، في ظل أزمات اجتماعية واقتصادية متلاحقة أرهقت المواطنين وكشفت محدودية الفعل السياسي المحلي، بل وأظهرت حجم الهوة التي أصبحت تفصل الأحزاب عن الشارع وعن انتظارات الساكنة.
فالأحزاب التي تنتمي إلى الأغلبية الحكومية تجد نفسها اليوم في وضع سياسي معقد، لأنها مطالبة بالدفاع عن قرارات حكومية ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في إثقال كاهل المواطنين، سواء تعلق الأمر بغلاء الأسعار، أو ارتفاع تكاليف المعيشة، أو أزمة الأضاحي، أو حتى تداعيات الزيادة في تسعيرة النقل الحضري. وهي ملفات خلقت حالة من التذمر الشعبي، وجعلت عددا من المنتخبين والقيادات المحلية يفضلون الصمت أو الاختفاء بدل مواجهة غضب الشارع وتقديم تفسيرات مقنعة للرأي العام.
هذا الوضع جعل بعض الأحزاب المحسوبة على الأغلبية تبدو وكأنها فقدت هامشها السياسي، بعدما أصبحت مرتبطة بالدفاع عن حصيلة حكومية مثقلة بالانتقادات، الأمر الذي انعكس على حضورها الميداني وتحركاتها داخل المدينة. فبدل الانخراط في نقاشات حقيقية حول هموم المواطنين، اختارت العديد من الوجوه السياسية نهج الحذر وتجنب الاصطدام بالقضايا الاجتماعية الحساسة، خوفا من فقدان التوازنات الانتخابية أو إغضاب دوائر القرار.
وفي المقابل، تبدو الأحزاب التي تتموقع ضمن المعارضة الحكومية في وضع أكثر راحة سياسيا، لأنها تستفيد من حالة الاحتقان الشعبي وتقترب أكثر من نبض الشارع، دون أن تتحمل بشكل مباشر مسؤولية القرارات الحكومية المثيرة للجدل. لذلك تحاول بعض هذه الأحزاب تقديم نفسها كصوت قريب من المواطنين، مستثمرة حالة الغضب الاجتماعي من أجل استعادة مواقع سياسية وانتخابية فقدتها خلال السنوات الماضية.
ولعل أزمة النقل الحضري بتطوان وقرار رفع تسعيرة التذاكر شكلت نموذجا واضحا لهذا التباين، حيث اختارت أغلب الأحزاب الصمت، في وقت برزت فيه مواقف محدودة لبعض مكونات المعارضة التي حاولت استثمار الملف سياسيا عبر انتقاد الزيادة والدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين، بينما فضلت أحزاب الأغلبية تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الملف.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية، يزداد هذا “الحياد المصلحي” وضوحا، حيث تفضل العديد من الأحزاب تجنب الدخول في صدامات سياسية أو اجتماعية قد تؤثر على حظوظها الانتخابية مستقبلا. فالمشهد الحزبي اليوم لا تحكمه فقط البرامج أو المواقف، بل أيضا حسابات دقيقة مرتبطة بالمقاعد الانتخابية ومدى القرب من السلطة ومراكز القرار.
والمفارقة التي يلاحظها الشارع التطواني، أن عددا من الوجوه السياسية التي غابت خلال فترات الأزمات ستعود بقوة مباشرة بعد انتهاء موجة الغلاء وأزمة الأضاحي، عبر جولات وزيارات للأحياء الشعبية والهامشية، في محاولة لاستعادة صورة “القرب من المواطن”. غير أن هذه التحركات الموسمية أصبحت مكشوفة لدى جزء كبير من الساكنة التي باتت تميز بين الفاعل السياسي الذي يحضر وقت الأزمات، وبين من لا يظهر إلا مع اقتراب الحملات الانتخابية.
إن أزمة الأحزاب في تطوان ليست فقط أزمة تنظيم أو تواصل، بل هي أزمة ثقة ومصداقية ودور سياسي. فحين تتحول الأحزاب إلى مجرد أدوات انتخابية أو هياكل تدبيرية خاضعة لمنطق التوازنات، فإنها تفقد تدريجيا وظيفتها الأساسية كمؤسسات للتأطير والدفاع عن مصالح المواطنين ومراقبة السياسات العمومية.
