سيكولوجية الجشع: كيف نتحول إلى “جماهير مفترسة” مع كل مناسبة؟
بقلم : منعم أولاد عبد الكريم
مع حلول كل مناسبة او حدث ديني أو اجتماعي او كيفما كان، بدلاً من أن يكون لحظات للتضامن والسكينة والتأمل والفرح الجماعي، يتحول المغرب الى “موسم مفتوح للافتراس”. نشاهد بمرارة كيف ترتفع الأسعار بجنون متعمد، وكيف يصبح التاجر والمالك ووسائل النقل وأي شخص يمتلك السلطة أو الاحتكار لفترة وجيزة، مخلوقًا لا يرى المواطنين الآخرين إلا كفريسة للانقضاض. مثل هذه المشاهد المتكررة تجبرنا على طرح سؤال عاجل، يتجاوز العلامات المادية للمجتمع ككل – كيف تحولنا من صفة “أمة” إلى “شعب”، ثم نغرق فورًا في مجرد “جماهير مفترسة”، لا تفكر في بعضها البعض بأي درجة من الاحترام أو الضمير، ولا ترقب في بعضها إلا ولا ذمة؟
علينا أن نعود قليلاً لفهم “المسار الهابط” للقيم المشتركة. كان المغاربة سابقًا في مرحلة “الأمة” –التي تتجاوز أبعاد الأفراد المتكدسين فوق رقعة جغرافية معينة لتشير أيضًا إلى دلالة “الجسد الواحد” –يفهمون الرابطة فقط من حيث ما تضمنه استدامته الأخلاق وسموها؛ فسادت عادات ومصطلحات مثل “التويزة” التي تعكس العمل التضامني الجماعي، “الحشومة” – التواضع الاجتماعي و”البركة” التي تجعل القليل ينمو. كان الجشع عارًا يجعل صاحبه مخزيًا، وكانت القناعة عقيدة اجتماعية وكنزا لا يفنى، وكان الاندفاع لتحقيق الأرباح على حساب المحتاجين يُعتبر خيانة ل”الرجولة” والشهامة.
لكن مع التحديث الاقتصادي السريع والجزئي والتحول نحو القيم الليبرالية، وتبني نموذج اقتصاد السوق المنفلت من كل سيطرة، دخلنا من حيث لا ندري مرحلة هيمنة الماديات، واقتحمنا “نادي” المجتمعات الاستهلاكية”، التي يصير الفرد فيها مجرد زبون (حقيقي أو مفترض) ينبغي محاصرته داخل دوامة النزعة الاستهلاكية، وتقييد حريته وطمس هويته تحت يافطة “العرض و الطلب”.
وهكذا بدأت الروابط الأخلاقية والروحية تتفكك باسم الفردية وهيمنة شعار “أنا وبعدي الطوفان”، بعدما تحول الفرد إلى “إنسان-جمهور” يفتقر إلى التميز الأخلاقي، لا يشعر بالمسؤولية، ويعتقد أن لديه فقط “حقوقًا” دون “واجبات”، كما وصفه المفكر الإسباني أورتيغا إي غاسيط. ومع هذا التآكل التدريجي لمنظومة القيم، يدخل المجتمع في حالة تيه جماعي؛ حيث يفقد الإنسان بوصلته الأخلاقية، ويصبح الجميع منشغلين بمطاردة خلاصهم الفردي ولو على حساب الآخرين. إنها حالة تشبه، إلى حد بعيد، العالم الذي تخيله خورخي لويس بورخيص في La biblioteca de Bebel (مكتبة بابل)؛ أي ذاك الفضاء الهائل والمغلق الذي يتيه داخله البشر وهم يعتقدون أنهم يقتربون من المعنى، بينما هم في الحقيقة يغرقون أكثر فأكثر في العبث والضياع. هكذا أيضًا يتحول السعي المحموم نحو الربح الفردي السريع إلى دائرة تعمق الجحيم الجماعي بدل أن تنقذ الأفراد منه.
وإن كان نموذج “اقتصاد السوق” وما يقتضيه من حرية الأسعار في المجتمعات الرأسمالية الكلاسيكية خاضعًا –ولو شكليًا– لضوابط قانونية وأخلاقية تضمن للمستهلك حدًا أدنى من الكرامة، فإننا في المغرب استوردنا النسخة الأكثر توحشا من هذا النموذج، دون أن نستورد في المقابل مؤسسات الضبط والمساءلة التي تحدّ من انفلاته، أو بالأصح لم نعمل على تفعيل أدوارها كما ينبغي. لذلك يبدو اقتصاد السوق لدينا وكأنه فقد حتى ذلك “القناع الأخلاقي” الذي تحدثت عنه الليبرالية الكلاسيكية منذ آدام سميث، ليتحول إلى مجال مفتوح للمضاربة والافتراس الهيكلي.
في هذا الإطار يرى الكاتب العالمي ماريو برغاس يوسا في مؤلفه “Civilización del espectáculo” (حضارة الفرحة) أن تراجع الثقافة الرصينة والأخلاق لصالح “الاستهلاكية” أعاد إحياء “الحيوانية” داخل التجمعات البشرية، حينما لم تعد المناسبات طقوساً لتعميق الروابط، بل أصبحت “استعراضاً مادياً”، ومن يملك أدوات الفرجة (المال، السلعة، الشقة المؤجرة، الكبش…) يمارس سلطته المتوحشة على الآخرين.
لهذا يبدو أننا في الوقت الحاضر، تجاوزنا مرحلة “الشعب” إلى المرحلة الأكثر ظلامًا، وهي مرحلة “الجماهير المفترسة”. فباللجوء إلى أدبيات علم النفس الاجتماعي، وخاصة أطروحات “غوستاف لوبون”، نتعلم أن الجماهير، عندما ترتفع، تصاب بالذعر ولا تستطيع التفكير بعقلانية أو تُقاد بالغرائز البدائية. اليوم الغريزة التي صارت تحرك الجميع في كل مرة ومع كل مناسبة (رمضان، الأعياد، الموسم الصيفي، الدخول المدرسي..)، هي غريزة الافتراس بسبب خوف غير واعٍ من الندرة الذي يؤدي دائمًا إلى الجشع ونوع من التدافع اللاوعي من أجل المادة ولو على حساب القيم المشتركة.
ما يدعو الى القلق في هذا التطور هو تعميم الجشع والتطبيع معه، حيث لم يعد حكرًا على “الحيتان الكبيرة” بل صار سلوكا يتسم بالانتقال الأفقي والعمودي ما بين قمة الهرم الاقتصادي ومحتلف طبقاته، في ظل سيادة “قانون التقليد” عند عبد الرحمن ابن خلدون، أي تقليد المغلوب للغالب. فالمواطن البسيط (المغلوب) حين يرى المحتكرين الكبار والشناقة (الغالبين) يمارسون الجشع دون عقاب، فإنه يقلدهم فوراً وبشكل لا واعي. يتحول في دائرته الصغيرة إلى “مفترس مصغر” يقلد آليات الافتراس الكبرى الكامنة في بنية الاقتصاد. وهكذا نفس المواطن العادي الذي يشتكي من غلاء المعيشة ومن تغول”الشناقة” في الصباح يمكنه، إذا ما أتيحت له الفرصة لاستئجار شقة في مدينة قريبة من البحر، بيع خروف أضحية، أو تقديم أي نوع من الخدمة لمواطن آخر في وضعية احتياج، (يمكنه) أن يصبح “مفترسا” كاملاً. إذ داخل هذه الدائرة المفرغة من الذات والأنانية، يصبح عقل التضامن الاجتماعي “افتراسًا متبادلًا”.
ما نراه هو أننا نعيش تطبيعا مع النهب، حيث يظهر الجشع كـ “ذكاء ودهاء” وتصبح الرحمة والرفعة “ضعفًا وحماقة”. العقد الأخلاقي غير المكتوب الذي كان يحمي الفئات الضعيفة قد انهار، ليحل محله قانون الغابة: “إذا لم تكن ذئبًا، ستأكلك الذئاب”.
غياب الرحمة لدينا في المواسم ليس مجرد دليل على كارثة اقتصادية؛ إنها كارثة أخلاقية أكبر بكثير من الإفلاس الاقتصادي. يمكن إصلاح هذا الوضع الاقتصادي، بالقرارات والسياسات، ولكن عندما لا يكون هناك شيء للتشبث به مثل الأخلاق غير الملموسة أو المشتركة، فإنه يختصر المجتمع في رقعة من البشر ينتظرون التهام بعضهم البعض.
فكرة “الأمة” تستند إلى أساس تضامني فعلي، يعتبر شريان الحياة والوجود الجماعي. المجتمع الذي لا يؤازر بعضه بعضا في الأوقات الصعبة والمناسبات لا يمكنه أن يصنع وطنًا آمنًا يسع الجميع، ضعفاء وأقوياء. التراحم ليس فقط ما نتصدق به على الفقراء والمعدمين من باب الشفقة والتهرب من تأنيب الضمير، بل هو ذلك الأسمنت المسلح الذي يشد أركان الأمة ككل وفي جميع الظروف ويحافظ على جدران هذا الوطن من الانهيار فوق رؤوسنا جميعا ومن دون استثناء.
