إسبانيا والمغرب.. حين يصبح الهدوء أقوى من الاتهام
د. عبد الرحمان فتحي / نقلا عن صحيفة إسبانيول
في مقال تحليلي نشرته صحيفة «إل إسبانيول» الإسبانية، اليوم السبت، تناول الدكتور عبد الرحمن الفتحي، أستاذ ورئيس قسم الدراسات الإسبانية بجامعة تطوان، تداعيات الأزمة الأخيرة بين المغرب وإسبانيا على خلفية الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة، داعياً إلى اعتماد مقاربة هادئة ومتوازنة تقوم على التحقيق في الوقائع وتفادي استباق نتائجها.
واختار الفتحي لمقاله عنواناً دالاً: «إسبانيا والمغرب لا يمكنهما الربح إلا من خلال الهدوء»، معتبراً أن الرسالة الأهم في الموقف المغربي الأخير لا تتوقف عند الرد على الاتهامات التي أعقبت أحداث سبتة، وإنما تتجه نحو مستقبل العلاقات بين البلدين، في ظل ما يجمعهما من مصالح استراتيجية يصعب تجاهلها.
ويستحضر الكاتب في هذا السياق التحول الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية منذ الإعلان المشترك الصادر في 7 أبريل 2022، والذي أرسى، بحسبه، أسس مرحلة جديدة قائمة على حسن الجوار والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني.
ويرى الفتحي أن هذه العلاقات لا يمكن اختزالها في ملف واحد، مشيراً إلى مكانة إسبانيا كشريك اقتصادي رئيسي للمغرب، وإلى أهمية التعاون بين البلدين في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتدبير الهجرة وإنقاذ الأرواح.
وفي قراءته للأحداث التي شهدتها سبتة، يشدد الأكاديمي المغربي على ضرورة عدم استباق نتائج التحقيق، مؤكداً أن الدعوة إلى التحقيق الشامل لا تعني رفض الكشف عن ملابسات ما وقع، بل تقتضي، في المقابل، فحص مختلف الفرضيات بالصرامة نفسها، وعدم تحويل معطيات أولية إلى أحكام نهائية.
ويتوقف الفتحي عند المعطيات المتعلقة بتحذير المركز الوطني للاستخبارات الإسباني (CNI) من دعوات منشورة في مجموعتين على موقع «فيسبوك» تضمان، بحسب المعطيات الواردة في المقال، نحو 180 ألف عضو أو متابع.
ويطرح الكاتب تساؤلاً حول مدى إمكانية اعتبار هذا الرقم دليلاً على وجود قوة منظمة قادرة على تنفيذ تحرك بهذا الحجم، مبرزاً أن عدد المتابعين في الفضاء الرقمي لا يعني بالضرورة وجود العدد نفسه من الأشخاص القادرين أو الراغبين في الانتقال إلى سبتة.
كما يلفت إلى أن المعلومات التي نقلها جهاز الاستخبارات الإسباني لم توجه إلى المغرب وحده، وإنما أُبلغت بها أيضاً جهات إسبانية، من بينها مندوبية الحكومة في سبتة والحرس المدني، معتبراً أن هذه المعطيات تفرض الحذر من تحويل التحذير الاستخباراتي، في حد ذاته، إلى دليل على وجود معرفة مغربية مسبقة بحجم الأحداث التي وقعت لاحقاً.
ويتناول المقال أيضاً مقاطع الفيديو التي تم تداولها باعتبارها أدلة على قيام عناصر من الدرك المغربي بتوجيه مهاجرين نحو الحدود، حيث يشير الفتحي إلى أن أحد المقاطع الأكثر تداولاً جرى تصويره، بحسب ما أورده، على الطريق بين طنجة وتطوان، على بعد نحو 50 كيلومتراً من سبتة، ويظهر عناصر أمن وهم يحاولون توقيف أو تغيير اتجاه مجموعة من الشباب.
ويعتبر أن هذه الحالة تبرز أهمية التحقق من مكان التصوير وتوقيته وتسلسل المشاهد وسياقها قبل اعتمادها كأدلة على مسؤولية دولة، مشدداً في الوقت ذاته على أن ذلك لا يعني إسقاط باقي الوثائق أو المعطيات، وإنما إخضاعها جميعاً للفحص والتدقيق.
وفي السياق نفسه، يشير الفتحي إلى عدم الكشف، حتى الآن، عن أمر عملياتي أو وثيقة أو سلسلة قيادة تثبت بشكل مباشر أن السلطات المغربية خططت أو سهلت عمليات الدخول، مستحضراً أيضاً تصريح رئيس الحكومة الإسبانية أمام البرلمان بشأن عدم وجود دليل ملموس يثبت أن المغرب نظم العملية.
ويناقش الكاتب كذلك الاتهام الموجه إلى المغرب بـ«المسؤولية بالفعل أو بالامتناع عن الفعل»، معتبراً أن إثبات المسؤولية عن الامتناع يقتضي تحديد ما كانت تعرفه السلطات المغربية، ومتى علمت بالخطر، وما كانت تملكه من قدرة فعلية على احتواء تحرك استثنائي وغير متوقع، إضافة إلى معرفة التعليمات التي صدرت عنها.
وفي المقابل، يستحضر الفتحي ما يعتبرها معطيات مرتبطة برد الفعل المغربي بعد تفاقم الوضع، من بينها قبول الرباط إعادة الأشخاص الذين دخلوا بشكل غير نظامي، وتدخل قوات الأمن المغربية لاحتواء تحركات جديدة، فضلاً عن التعاون الذي أفضى، بحسب المقال، إلى إعادة أكثر من 90 في المائة من المهاجرين خلال الأيام التالية.
ويعتبر أن هذه الوقائع ينبغي ألا تُستبعد من أي إعادة بناء متوازنة للأحداث، تماماً كما ينبغي عدم تجاهل المعطيات التي تثير تساؤلات حول المسؤوليات المحتملة.
كما يتوقف المقال عند تداعيات حكم المحكمة العليا الإسبانية المتعلق بإعادة المهاجرين، مبرزاً أن تغير الإطار القانوني يمكن أن يؤثر عملياً في حسابات الأشخاص الذين يفكرون في محاولة الوصول إلى الأراضي الإسبانية، خصوصاً في ظل سرعة انتشار المعلومات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
ويرى الفتحي أن الدعوات الرقمية يمكن أن تتحول بسرعة إلى عمليات حشد واسعة، من دون أن يكون وراءها بالضرورة مركز حكومي أو جهة رسمية منظمة، وهو ما يجعل فهم طبيعة التعبئة الرقمية وآليات انتشارها جزءاً أساسياً من أي تحقيق في الأحداث.
وفي الجزء الأخير من مقاله، يعود الأكاديمي المغربي إلى البعد الاستراتيجي للعلاقات بين الرباط ومدريد، مؤكداً أن الأزمات بين البلدين لا تظل محصورة في المستوى السياسي، بل تمتد تداعياتها إلى التجارة والأمن والهجرة وحركة الأشخاص ومصالح آلاف الأسر المرتبطة بالبلدين.
كما يشدد على أن سبتة ومليلية تحتاجان، أكثر من أي وقت مضى، إلى الاستقرار والتعاون والتواصل بين السلطات المغربية والإسبانية، محذراً من أن تحويل كل حادث إلى مواجهة سياسية قد يوفر مكاسب ظرفية، لكنه يضعف في المقابل أدوات التعاون الضرورية لمعالجة الملفات المشتركة.
ويخلص الفتحي إلى أن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تحديد الطرف الذي يتحمل المسؤولية، وإنما في فهم أسباب فشل آليات الإنذار، وكيف تحولت دعوات رقمية إلى حركة جماهيرية واسعة، وما الآليات المشتركة التي يمكن اعتمادها لمنع تكرار السيناريو مستقبلاً.
ويؤكد أن الجغرافيا بين المغرب وإسبانيا لا يمكن تغييرها، كما أن المصالح المشتركة لا يمكن تجاهلها، معتبراً أن البلدين يملكان مصلحة مشتركة في الحفاظ على علاقات هادئة قائمة على الحقيقة والاحترام والتعاون، بعيداً عن التبسيط السياسي والتصعيد اللفظي.
ويأتي مقال الدكتور عبد الرحمن الفتحي في وقت تشهد فيه الساحة الإسبانية نقاشاً محتدماً حول مسؤولية المغرب في أحداث سبتة، وسط مواقف سياسية وتقارير أمنية متباينة، وهو ما يجعل الدعوة إلى قراءة هادئة ومتأنية للوقائع جزءاً من النقاش الجاري حول مستقبل العلاقات بين البلدين.

