(إنّ الكتابة توليد للفكر واللغة، ومن يقول اللغة يقتحم اللاّوعي، ويدخل غياهب التاريخ. لذا نجد من المفكّرين من ذهب إلى القول بأنّ اللغة هي التي تفكّر وتكتب، وأنّ يد الكاتب هي، دوما، “يد ثانية”)
+ عبد السلام بنعبد العالي
في المكتب
كانت الكاميرا البعيدة تراقب يداي. وكنت أسأل نفسي: أي يد تراقب هاته الكاميرا؟ هل يدي الأولى أم يدي الثانية؟ وانثالت علي الأسئلة كمطر نوفمبر.
تركت الكاميرا مستمرة في المراقبة كعيون الحراس وذهبت إلى مائدة الطعام وشرعت في أكل قطع من الدجاج، المغمسة في المرق، حتى شبعت، وعندما تأملت يداي تبدتا لي ملطختين بالمرق.
نهضت… وذهبت إلى الحمام وغسلت يداي، نشفتهما بفوطة بيضاء، ثم، فتحت باب مكتبي. كانت الغرفة معتمة، فأشعلت الضوء. كانت رواية ” كتاب الدم”* المكتوبة بالفرنسية تنتظرني لقراءتها. بدأت في القراءة وعندما وصلت إلى نصفها، طويت الكتاب، وفكرت في العودة إليها مرة أخرى. لكنني لم أعد لقراءتها، واكتفيت بقراءة مقالات نقدية وتحليلية كتبت عنها.
بعد ستة أشهر
كنت قد سافرت إلى قرطبة.
عدت للمكتب. كانت الرواية قد غلفها الغبار. وتذكرت أني أقفلت المكتب بمفتاح احتفظت به مع متاعي الشخصي.
لما فتحت الرواية اندهشت لأن مارأيته كان عجيبا. رأيت يدا ثانية للكاتب تتحرك وتكتب. أصابني رعب و لم أعد لقراءة الرواية مرة أخرى. وهكذا، تركتها وحيدة بغبارها فوق المكتب.
من كتب الرواية؟
بعد سنة. عدت للمكتب، جلست… وشرعت أفكر. ولكنني ضقت ذرعا بالتفكير في أمر لم يعد يعنيني في شيء.
خرجت يد ثانية من الرواية، وقالت:
– أنا من كتبت ” كتاب الدم”!
ولما سمعت ذاك الصوت، خرجت. أقفلت باب المكتب بالمفتاح ولم أعد إليه أبدا.
* رواية للكاتب عبد الكبير الخطيبي
