الهجرة غير النظامية وإكراهات العرض الصحي بإقليم المضيق الفنيدق
✍️ عمر شركاوي : نائب الكاتب الإقليمي للنقابة الوطنية للصحة العمومية بالمضيق الفنيدق
يشكل إقليم المضيق الفنيدق، بحكم تموقعه الجغرافي الحساس والقريب من مدينة سبتة، نقطة تماس مباشرة مع ظاهرة الهجرة غير النظامية، بما تحمله من أبعاد إنسانية وأمنية واجتماعية وصحية متشابكة. غير أن البعد الصحي، رغم مركزيته، يظل في كثير من الأحيان أقل حضوراً في النقاش العمومي، رغم ما يتحمله من ضغط يومي متصاعد.
فالمؤسسات الصحية بالإقليم، وعلى رأسها المركز الاستشفائي محمد السادس بالمضيق، تستقبل بشكل متكرر حالات لمهاجرين تعرضوا لإصابات متفاوتة الخطورة أثناء محاولات اقتحام السياج الحدودي في ظروف محفوفة بالمخاطر. هذه الإصابات تتراوح بين جروح عميقة وكسور مركبة وإصابات رضّية معقدة، تتطلب تدخلاً طبيا ، وأحياناً عمليات جراحية ، تعقبها فترات استشفاء ومراقبة طبية.
ومن موقع المسؤولية المهنية، يمكن التأكيد أن الأطر الصحية بمختلف فئاتها — أطباء، ممرضين، تقنيين، وأطر إدارية — تؤدي واجبها في التكفل بهذه الحالات بروح إنسانية عالية وبنفس معايير الجودة المعتمدة في علاج باقي المرضى. فالحق في العلاج ليس موضوع تمييز، بل التزام أخلاقي وقانوني وإنساني لا نقاش فيه. كما أن السلطات المحلية ومختلف المتدخلين يبذلون مجهودات مقدرة للحفاظ على الاستقرار وضمان استمرارية الخدمات العمومية.
غير أن الإشكال البنيوي يبرز في مرحلة ما بعد التدخل الطبي. فعدد الأسرة المخصصة للاستشفاء، خاصة في أقسام الجراحة، يبقى محدوداً مقارنة بتزايد الحالات الوافدة. وبعد استكمال العمليات الجراحية والفحوصات الضرورية، يفترض من الناحية التنظيمية مغادرة المريض للمؤسسة الصحية متى استقرت حالته. لكن في عدد من الحالات، يستمر بعض المرضى في شغل الأسرة لغياب مأوى أو لعدم وضوح مسارهم اللاحق، سواء من حيث التسوية أو الترحيل أو إعادة التوجيه.
هذا الوضع يضع المستشفى في موقع يتجاوز اختصاصه الأصلي. فالمؤسسة الاستشفائية وُجدت للعلاج، لا للإيواء طويل الأمد. واستمرار شغل الأسرة خارج المدة الطبية المبررة يؤدي عملياً إلى تقليص فرص الولوج أمام مرضى آخرين، من ساكنة الإقليم أو غيرهم، ممن هم في حاجة فعلية إلى الاستشفاء أو تدخل جراحي مستعجل.
إننا أمام معادلة دقيقة. من جهة، واجب إنساني وأخلاقي يفرض التكفل العلاجي الكامل بكل من يصل إلى المستشفى في وضعية صحية حرجة. ومن جهة أخرى، ضرورة الحفاظ على توازن المنظومة الصحية وضمان حق الساكنة في الولوج العادل إلى الخدمات الاستشفائية.
إن معالجة هذا الإشكال لا يمكن أن تظل محصورة داخل أسوار المستشفى، لأن جذوره ليست صحية فقط، بل اجتماعية وتنظيمية ومجالية. ومن ثَمّ، فإن المطلوب اليوم هو تبني مقاربة مندمجة تقوم على:
1 إحداث فضاءات أو مراكز إيواء مؤقتة مخصصة لفترة النقاهة بعد العمليات الجراحية، تحت إشراف قطاعات اجتماعية مختصة.
2 تعزيز التنسيق بين العمالات والأقاليم المجاورة لتقاسم الضغط وضمان توزيع متوازن للحالات.
3 توفير دعم إضافي للمؤسسات الصحية بالإقليم، سواء من حيث الموارد البشرية أو التجهيزات أو الطاقة الاستيعابية.
4 تفعيل آليات المواكبة الاجتماعية والقانونية بشكل متسلسل، حتى لا يتحول المستشفى إلى حل افتراضي لمشكل ذي طبيعة متعددة الأبعاد.
إن الأطر الصحية بإقليم المضيق الفنيدق تقوم بدورها كاملاً، بل وتتجاوز أحياناً حدود اختصاصها بدافع الواجب والضمير المهني. غير أن استدامة هذا المجهود تقتضي قرارات عملية وشجاعة تُخرج المؤسسة الصحية من دائرة تدبير تبعات ظاهرة تتجاوزها، وتعيد لكل قطاع أدواره ومسؤولياته
