ليس أخطر على النقاش العمومي من خطابٍ يبدو عاقلاً في ظاهره، متماسكا في لغته، لكنه في العمق يشتغل بمنطق “دس السم في العسل”. ذاك الذي لا يهاجمك مباشرة، بل يزرع الشك فيك… لا ينقض الأساس، بل يضع تحته سؤالاً ملغوماً.
اليوم، يخرج علينا من يلبس جبة “التحليل الجيوسياسي”، فيستعرض أزمات الغرب، وتذبذب الأسواق، وتحولات التحالفات… لا ليفهم، بل ليوحي. يوحي بأن المغرب في منطقة رمادية، وأن حلفاءه مؤقتون، وأن سقف طموحه يجب أن ينخفض، وهنا، بالضبط.تبدأ الحكاية الحقيقية.
المغرب، لمن لا يريد أن يفهم، لم يعد ذلك البلد الذي يُقرأ من خلال عواصم الآخرين. لم يعد “تابعاً” في دفتر ملاحظات القوى الكبرى، بل صار شريكاً يُحسب له حساب، ويُستدعى عند رسم التوازنات، لا عند ملء الفراغات. من يراهن على أن الولايات المتحدة أو غيرها ستُعيد عقارب الساعة إلى الوراء، لا يخطئ فقط في التقدير… بل يتجاهل عمق التحولات التي جعلت من الاعترافات السيادية مساراً لا رجعة فيه.
ثم إن منطق “التبعية” الذي يحاول البعض إعادة تسويقه، انتهى… أو على الأقل انتهت صلاحيته في الحالة المغربية. لأن الرباط اختارت طريقاً آخر: تنويع الشركاء، لا استبدال تبعية بأخرى. من واشنطن إلى بكين، ومن لندن إلى شركاء جدد، يتحرك المغرب بمنطق الدولة التي تعرف ماذا تريد، لا بمنطق الدولة التي تنتظر من يُملي عليها ما تريد.
والمفارقة أن نفس الأصوات التي تتغنى اليوم بـ”أفول الغرب”، تستعمل هذا الأفول المزعوم لضرب ثقة المغاربة في اختياراتهم. وكأن المطلوب ليس قراءة العالم، بل تخويف الداخل. وكأن الأزمة هناك يجب أن تتحول إلى ارتباك هنا.
لكن الحقيقة أبسط من كل هذا التعقيد المصطنع: المغرب لا يبني سيادته على ضعف الآخرين، بل على قوته هو. على مشاريعه الكبرى، على امتداده الإفريقي، على رهانات استراتيجية تجعل منه رقماً صعباً في معادلات الطاقة، والأمن، والاستثمار.
إنها، في النهاية، معركة وعب أكثر منها معركة مواقف، فإما أن نقرأ ما يُكتب بعينٍ ناقدة، تميز بين التحليل والتشكيك، وإما أن نسمح للغة المنمقة أن تُمرر إلينا رسائل لا تشبهنا. وفي كلتا الحالتين، يبقى الثابت الوحيد أن المغرب حين يضع مصلحته أولاً… لا يحتاج دروساً في السيادة.
