تحت القائمة

أوروبا خارج الميدان… والمغرب في قلب التحولات الدولية

✍️ عادل أسگين

ليست السياسة الدولية اليوم في حاجة إلى صخب كبير كي تكشف تحوّلاتها العميقة. يكفي أن نُصغي جيداً إلى خطاب الحذر الذي يعلو في العواصم الأوروبية، حتى ندرك أن الأمر لا يتعلق بـ“موقف أخلاقي”، بقدر ما يتعلق بإعادة تموضع قسري داخل نظام عالمي جديد.

لقد كانت أوروبا تقدم طويلاً باعتبارها أحد أعمدة التوازن الدولي، غير أنها تجد نفسها اليوم أمام مشهد تتسارع فيه إعادة رسم الخرائط خارجها. فبعد اهتزاز منظومتها الطاقية نتيجة القطيعة مع روسيا، تراجع هامش استقلالها الاستراتيجي، كما تقلصت قدرتها على التأثير في مسارات الأزمات الكبرى.

وفي خلفية هذا التحول، تتشكل بهدوء ممرات اقتصادية وجيوسياسية جديدة، تمتد من الهند نحو الخليج، ثم باتجاه الأطلسي، في مسار يعيد توزيع الأدوار داخل الاقتصاد العالمي. ضمن هذا السياق، لا تبدو أوروبا فاعلاً مركزياً بقدر ما تبدو طرفاً يسعى إلى تفادي خسارة موقعه بالكامل.

من هنا، لا يمكن قراءة التحفظ الأوروبي على أي تصعيد عسكري باعتباره موقفا مبدئيا خالصا، بل هو في جوهره حساب دقيق للكلفة وحدود القدرة على التأثير. وهو ما يعيد صياغة صورة “القارة العجوز” ككيان حاضر تاريخياً، لكنه يتراجع تدريجياً عن مركز الفعل.

في المقابل، يتحرك المغرب وفق منطق مختلف، أكثر هدوءا لكنه أكثر اتساقا. فقد نجحت السياسة الخارجية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، في بناء موقع قائم على التوازن الذكي بين الشراكات، بعيداً عن الارتهان لمحور واحد أو الانخراط في استقطابات حادة.

العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية اكتسبت طابعا استراتيجيا متقدما، كما أن الانخراط في دينامية “اتفاقيات أبراهام” أضاف بعداً جديداً لتموقع المملكة إقليميا. وفي الوقت نفسه، حافظ المغرب على قنواته مع أوروبا، وواصل انفتاحه على قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا.

هذا التنوع في الشراكات لا يعكس تناقضا، بل يعبر عن خيار استراتيجي واعٍ يقوم على تنويع العلاقات من أجل حماية القرار الوطني وتعزيز هامش الحركة. وفي بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار، من الساحل إلى شمال إفريقيا، يبرز المغرب كعنصر توازن نسبي، ليس من خلال الخطاب، بل عبر استمرارية مؤسساته وقدرته على إدارة التوازنات الدقيقة.

كما أن موقعه الأطلسي، إلى جانب تطور بنياته المينائية، يمنحه موقعاً متقدماً في أي تصور جديد للممرات الاقتصادية العالمية، حيث لم يعد البحر الأبيض المتوسط وحده مركز الثقل، بل برز الأطلسي كفضاء حاسم في إعادة تشكيل طرق التجارة الدولية.

ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل إعادة هادئة لتوزيع مراكز القوة في العالم. وإذا كانت أوروبا تميل إلى الحذر، فإن استمرار هذا الحذر قد يتحول إلى مؤشر على تراجع القدرة على المبادرة.

في المقابل، يبدو المغرب منخرطاً في رؤية تراكمية، تجعل من التوازن بين الشركاء أداة لتعزيز موقعه، لا مجرد سياسة ظرفية.