ليس في السياسة ما هو أكثر خداعاً من الضجيج. فحين يعلو الصراخ في المحافل، وتتكاثر البيانات المتقاطعة حتى تكاد تحجب الرؤية، نكون – في الغالب – أمام لحظة “إخفاء” كبرى لموازين قوى تتشكل في العمق، أكثر مما نكون أمام لحظة “إعلان”. أما التحولات الحقيقية، فهي تلك التي تتم في صمت… على إيقاع بطيء يشبه تغيّر التضاريس تحت الجلد؛ حيث تسقط الأوهام، ويبقى وجه الأرض.
في ربيع 2026، يبدو ملف الصحراء المغربية أقرب إلى هذه “السكونيات الثقيلة” منه إلى العواصف الإعلامية العابرة. قضية استُنزفت لعقود في الخطاب الإيديولوجي، تُقرأ اليوم في عواصم القرار بلغة مختلفة: أقل صخباً، وأكثر ميلاً إلى الواقعية… بل إلى “الواقعية الفجّة”، لغة الممكن الجغرافي لا لغة الشعارات المتآكلة.
لقد انتقلت العواصم الكبرى، ومعها قوى إفريقية صاعدة كمالي وكينيا ومصر، من منطق “مجاملة التوازنات” إلى منطق “إدارة الكلفة”. أدرك الجميع أن كلفة الجمود أصبحت أعلى من كلفة الحسم. في المقابل، كان المغرب يبني بهدوء “وقائعه الصلبة”. فالمبادرة الأطلسية لم تكن مجرد مشروع اقتصادي، بل تحوّلت إلى حجة جغرافية تمنح لدول الساحل منفذاً للحياة، وتمنح للمغرب صك السيادة بالفعل… قبل القول. وحين تتحول الجغرافيا إلى مشروع حياة، تصبح السياسة مجرد تفسير متأخر لما صنعته الإرادة على الأرض.
غير أن الحسم الدبلوماسي لا يعني النهاية، بل هو بداية لورش داخلي عميق، إذ إن أي اتفاق نهائي لن يمر دون أثر على بنية الدولة نفسها. نحن أمام لحظة دستورية فارقة، فاستيعاب مخرجات الحل – خاصة في صيغة الحكم الذاتي – سيفرض تعديلاً دستورياً يعيد رسم العلاقة بين المركز والجهة، ويؤسس لشرعية مؤسساتية جديدة في الأقاليم الجنوبية. وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل يمكن أن تستمر الاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026 بنفس قواعد ما قبل التسوية؟ المنطق السياسي يقول العكس، لأن أي اتفاق تاريخي سيجعل من تنظيم الانتخابات وفق القواعد القديمة نوعاً من “الهدر المؤسساتي”.
الأرجح أننا أمام أحد سيناريوهين: إما تأجيل تقني محدود، أو ولاية تشريعية قصيرة ذات طابع تأسيسي، تُفضي إلى تعديل دستوري يعيد ترتيب المشهد ويفتح الباب لانتخابات جديدة على أساس الواقع السياسي المستجد. فالديمقراطية ليست مجرد احترام للمواعيد، بل هي قدرة على تمثيل الواقع كما هو، لا كما كان.
السياسة الدولية لا تعشق النهايات السريعة، لكن المؤكد أننا نعيش اليوم “خريف الأطروحة” و”ربيع الواقع”. الحديث عن نهاية وشيكة للملف لم يعد تفاؤلاً زائداً، بل قراءة في أوراق القوة التي راكمها المغرب. لقد انتهى زمن “تدبير الأزمة”، ودخلنا زمن “تدبير المآل”؛ مآل يحتاج إلى دستور مرن، ومؤسسات قوية، وانتخابات تؤسس لمغرب ما بعد النزاع.
في هذا المنعطف، يكتشف الجميع أن الماضي لم يعد مقنعاً، وأن المستقبل قد حجز مكانه سلفاً… في مغرب لا ينتظر أحداً، مغرب يتكلم لغة الجغرافيا حين يصمت الجميع، ويصوغ قوانينه على قياس انتصاراته.
