«ترحال…» أو حين تتحول الذاكرة إلى خشبة للوجود
بقلم : الفنان محمد العاقل
قراءة نقدية في عرض فرقة مسرح الأفق
في زمن تتراجع فيه الأسئلة الكبرى أمام إيقاع الحياة المتسارع، يأتي العرض المسرحي «ترحال…» لفرقة مسرح الأفق ليعيد الاعتبار للمسرح بوصفه فضاءً للتفكير والإنصات إلى الذات، لا مجرد وسيلة للترفيه أو استهلاك الحكايات الجاهزة. فالعرض، المقتبس عن نص «هوامش ذاكرة» للكاتب عزيز قنجاع، والموقع إخراجياً من طرف المخرج الشاب طارق الشاط، ينتمي إلى تلك التجارب المسرحية التي تراهن على مساءلة الوجود الإنساني عبر لغة ركحية مركبة، تنفتح على الشعر والفلسفة والذاكرة والاحتفال والعبث في آن واحد.
منذ اللحظة الأولى، يعلن العرض انحيازه إلى مسرح الصورة أكثر من مسرح الحكاية. فالمتلقي لا يجد نفسه أمام سرد خطي تقليدي، بقدر ما يجد نفسه داخل متاهة من الذكريات والانكسارات الإنسانية المتداخلة. هنا يصبح الزمن شخصية مركزية داخل العمل، ويتحول الماضي إلى قوة فاعلة تتحكم في الحاضر وتعيد تشكيله باستمرار.
لقد نجح الكاتب عزيز قنجاع في بناء نص يشتغل على ما يمكن تسميته بـ«دراماتورجيا الذاكرة»، حيث لا تتقدم الأحداث وفق منطق سببي واضح، بل تتشكل عبر التداعي الحر والاسترجاع النفكسي والانكسارات الشعورية المتعاقبة. فالذاكرة في هذا النص ليست خزاناً للذكريات فقط، بل فضاءً لإعادة إنتاج الألم والأسئلة المؤجلة والخيبات الإنسانية المتراكمة.
أما على المستوى الإخراجي، فقد قدم طارق الشاط رؤية تتجاوز الترجمة الحرفية للنص نحو إعادة خلقه بصريا ووجدانياً. فاختياره لتقنية الفلاش باك لم يكن مجرد حيلة سردية، بل تحول إلى بنية جمالية تتحكم في الإيقاع العام للعرض. الزمن هنا ليس خطاً مستقيما، بل دوائر متداخلة يعود فيها الإنسان باستمرار إلى جراحه الأولى، وكأن الشخصيات محكومة بإعادة عيش ماضيها إلى ما لا نهاية.
هذه الرؤية الإخراجية تكشف وعياً واضحاً بأهمية الزمن النفسي داخل المسرح المعاصر، حيث يصبح الانتقال بين المشاهد انتقالاً داخل الوعي أكثر منه انتقالاً داخل الأحداث. وهو ما منح العرض طابعه التأملي وعمقه الفلسفي.
ولعل من أبرز رهانات العرض اشتغاله على سؤال الهوية. فشخصية «سوسو» بأسمائها المتعددة (سعاد، سعيدة، السعدية…) لا تظهر كشخصية واقعية ذات ملامح مستقرة، بل كذات متشظية تعيش تمزقاً داخلياً عميقاً. تعدد الأسماء هنا لا يؤدي وظيفة لغوية فقط، بل يحيل على ضياع الإنسان المعاصر وسط تعدد الأقنعة والأدوار الاجتماعية.
في المقابل، يجسد «مسعود/سعيد» صورة الكائن الباحث عن معنى وجوده داخل عالم فاقد لليقين. شخصية تتأرجح بين السخرية والانكسار، بين الرغبة في المقاومة والاستسلام لعبث الواقع. وهو ما يجعل العرض يلامس أجواء المسرح العبثي دون أن يسقط في استنساخه.
ففي أكثر من لحظة نستحضر أصداء مسرح صمويل بيكيت وأوجين يونسكو، غير أن «ترحال…» يحتفظ بخصوصيته المحلية، عبر انفتاحه على المرجعية الاحتفالية المغربية وعلى الحس الشعبي المتجذر في الثقافة المسرحية الوطنية.
ومن هنا تتجلى إحدى أهم نقاط قوة العرض؛ وهي قدرته على المصالحة بين العبث والاحتفال. فبينما تنقل الشخصيات آلامها وانكساراتها الوجودية، يظل الجسد والإيقاع والموسيقى يحتفظون بطاقة احتفالية تقاوم السقوط الكامل في العدمية. إنها مفارقة جمالية تمنح العرض حيويته وتمنعه من التحول إلى خطاب سوداوي مغلق.
على مستوى الأداء التمثيلي، قدمت فاطمة الزهراء الصغير أداءً ناضجاً ومكثفاً. فقد بنت شخصيتها من الداخل، معتمدة على الاقتصاد في التعبير وعلى الاشتغال الدقيق على الانفعالات الصامتة. كانت قادرة على تحويل النظرة والإيماءة والسكون إلى علامات درامية تحمل حمولة وجدانية عميقة.
أما محمد العنصري فقد أظهر قدرة لافتة على الانتقال بين مستويات متعددة من الأداء، جامعاً بين الكوميديا السوداء والانكسار التراجيدي. وقد نجح في خلق شخصية مركبة، لا تستقر على حالة واحدة، بل تتأرجح باستمرار بين السخرية والألم، بين المقاومة والانهيار.
ويستحق الفنان عبد السلام الصحراوي وقفة خاصة من خلال تجسيده لشخصية الفقيه ذات النفس الصوفي. فقد قدم شخصية تقوم على الحضور الرمزي أكثر مما تقوم على الفعل الدرامي المباشر. بدا كأنه ضمير خفي يرافق الرحلة الإنسانية للشخصيات، ويوجهها نحو أسئلتها الوجودية الكبرى.
لم يسقط الصحراوي في فخ الوعظ أو الخطابية، بل اختار اقتصاداً تعبيرياً ذكياً جعل من الصمت أداة درامية قائمة بذاتها. وقد منح هذا الاختيار الشخصية بعداً تأملياً عميقاً، جعلها أشبه بمرساة روحية وسط بحر التشظي والتيه الذي يغمر باقي الشخصيات.
أما الموسيقى الحية التي قدمها كل من لارا الوهابي وفوزي عبد العالي، فقد شكلت أحد أهم عناصر التميز داخل العرض. لم تكن الموسيقى مجرد خلفية صوتية مرافقة للأحداث، بل تحولت إلى شخصية درامية كاملة. لقد أدت دور الذاكرة السمعية التي تنقل المتلقي بين الأزمنة والحالات النفسية المختلفة.
وكان واضحاً أن المخرج يتعامل مع الموسيقى باعتبارها لغة موازية للكلمة. فكل تحول إيقاعي كان يوازي تحولاً داخلياً داخل الشخصيات، وكل مقطع غنائي كان يفتح نافذة جديدة داخل العالم النفسي للعرض.
سينوغرافياً، اختار العرض اقتصاداً بصرياً واعياً. فالفضاء شبه الفارغ لم يكن تعبيراً عن محدودية الإمكانات بقدر ما كان خياراً جمالياً يخدم موضوع العمل. فالفراغ داخل «ترحال…» يصبح مرآة للتيه الداخلي الذي تعيشه الشخصيات. كما لعبت الإضاءة دوراً محورياً في تشكيل الزمن النفسي للعرض. فقد تحولت أحياناً إلى ذاكرة ضوئية تستحضر الماضي، وأحياناً أخرى إلى عتمة وجودية تعكس الوحدة والعزلة والانكسار.
إن «ترحال…» ليس عرضاً يبحث عن الأجوبة بقدر ما يصر على طرح الأسئلة. إنه عمل مسرحي يضع الإنسان أمام هشاشته الوجودية، ويجعله يواجه ذاكرته وخساراته وأحلامه المؤجلة. ولذلك تكمن قيمة هذا العمل في كونه لا يكتفي بسرد الحكاية، بل يحول المسرح إلى تجربة فكرية وشعورية مفتوحة على التأويل.
لقد استطاعت فرقة مسرح الأفق أن تقدم من خلال هذا العمل نموذجاً للمسرح المغربي الشاب الذي يجمع بين الجرأة الجمالية والوعي الفكري. كما يؤكد المخرج طارق الشاط امتلاكه رؤية إخراجية واعدة، قادرة على تحويل النص المسرحي إلى تجربة إنسانية عميقة، تجعل المتلقي يغادر القاعة وهو يحمل أسئلة أكثر مما يحمل أجوبة.
وهكذا يثبت «ترحال…» أن المسرح الحقيقي لا ينتهي عند إسدال الستار، بل يبدأ بعده، حين يتحول العرض إلى حوار داخلي طويل بين الإنسان وذاكرته، بين الحاضر وأشباح الماضي، وبين الرحلة الخارجية والترحال الأبدي داخل الذات.
