وزارة الدفاع الإسبانية توجه بوصلتها الاستراتيجية نحو مدينتي سبتة ومليلية
بقلم: سعيد المهيني
في سياق إقليمي متسم بتزايد التعقيد وعدم اليقين، أعادت وزارة الدفاع الإسبانية توجيه بوصلتها الاستراتيجية نحو مدينتي سبتة ومليلية، واضعة إياهما في قلب أولوياتها الدفاعية. هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل يعكس إدراكًا متناميًا لحساسية موقع المدينتين، وتعقيد التوازنات المحيطة بهما، في ظل ما تعتبره مدريد تحديات متصاعدة مرتبطة بإدارة الحدود والهجرة والضغوط الجيوسياسية.
ووفق ما أورده موقع El Periódico، فإن الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، المعروفة بـ”استراتيجية الدفاع 234″، لا تنظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما مجرد نقطتين حدوديتين، بل كبنيتين استراتيجيتين تتقاطع فيهما الأبعاد الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية. ومن هذا المنطلق، تبرز الموانئ كعنصر محوري في هذه الرؤية، حيث توصف بأنها شريان الحياة الذي يضمن استمرارية الإمدادات والتواصل مع شبه الجزيرة الإيبيرية، خاصة في حالات الأزمات أو التوترات الحادة.
الوثيقة لا تخفي قلقها من هشاشة هذه البنى التحتية، في ظل العزلة الجغرافية التي تميز المدينتين، وهو ما يدفع نحو تعزيز التكامل بين السلطات المدنية والعسكرية، وإدماج الموانئ بشكل مباشر في منظومة التخطيط الدفاعي. فالميناء، في هذا التصور، لم يعد مجرد فضاء اقتصادي، بل تحول إلى أداة سيادية بامتياز.
ولا تقف الاستراتيجية عند هذا الحد، بل تقترح مقاربة متعددة الأبعاد لمواجهة ما تصفه بـ”التهديدات الهجينة”، عبر حزمة من الإجراءات التي تمتد من تعزيز الأمن السيبراني، إلى تطوير آليات التعاون المؤسسي، وصولاً إلى توسيع الحضور في المنتديات الدولية للأمن البحري. كما تدعو إلى تكثيف المراقبة وتعزيز قدرات الردع، سواء على المستوى البري أو البحري.
ومن بين أبرز ما تحمله هذه الرؤية، مقترح منح سبتة ومليلية وضعًا إداريًا خاصًا، يضعهما تحت إشراف مباشر لرئاسة الحكومة الإسبانية. ويهدف هذا التوجه إلى تسريع وتيرة اتخاذ القرار، وتوفير مرونة أكبر في تدبير الأزمات، خاصة في ظل الضغوط المتكررة التي تعرفها المنطقة، سواء المرتبطة بتدفقات الهجرة أو التوترات الدبلوماسية.
وفي موازاة ذلك، رُصدت استثمارات مالية مهمة لتحديث البنية التحتية الحدودية، تقدر بنحو 100 مليون يورو، في خطوة تروم تعزيز الجاهزية الأمنية وتحسين القدرة على التحكم في المعابر، التي تظل من أكثر النقاط حساسية على الحدود الجنوبية لأوروبا.
في المحصلة، تعكس هذه الاستراتيجية تحولا لافتا في مقاربة مدريد لملف سبتة ومليلية، حيث لم تعد المسألة مجرد تدبير أمني ظرفي، بل أصبحت جزءًا من رؤية شاملة تعيد تعريف موقع المدينتين داخل معادلة الأمن القومي الإسباني، في منطقة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات.
