لم يعد الجدل حول برنامج “تطوان عاصمة الثقافة المتوسطية 2026” مقتصرا على بعض الهفوات التنظيمية المعزولة، بل أخذ أبعاداً أعمق تمس جوهر الحكامة الثقافية، بين فوضى واضحة في البرمجة وغموض يلف الجانب المالي.
فالبرنامج المعلن للتظاهرة يكشف ارتباكا يصعب تبريره. برمجة ندوتان فكريتان في التوقيت نفسه صباح يوم الجمعة، وأنشطة متزامنة في فضاءات متفرقة، ومعارض موزعة بشكل يجعل تتبعها شبه مستحيل. واللافت أيضا أن هذا النمط من التدبير وتشتيت الأنشطة يقصي المهتمين بدل أن يحتضنهم. هذه العوامل كلها تفرغ الحدث من مضمونه، وتحوله إلى مجرد واجهة شكلية.
هذا التداخل لا يعكس فقط سوء تنسيق، بل غياب رؤية ثقافية متكاملة. فبدل بناء مسار منسجم يراعي الزمن الثقافي للجمهور، تم اعتماد منطق “تكثير الأنشطة” دون اكتراث بجودتها أو قابلية متابعتها. وكأن الهدف هو ملء البرنامج، لا خلق أثر ثقافي حقيقي. غير أن الإشكال لا يقف عند حدود التنظيم. فبالتوازي مع هذا الارتباك، يطفو سؤال أكثر حساسية حول الشفافية المالية.
في هذا السياق، تبرز المقارنة مع مدينة ماتيرا الإيطالية، التي صادقت بشكل رسمي على ميزانية مفصلة لاحتفالية “عاصمة الثقافة المتوسطية 2026”، حيث تم الإعلان عن تخصيص 191,100 يورو لحفل الافتتاح، ضمن كلفة إجمالية بلغت 541,100 يورو، مع عرض دقيق لأوجه صرف هذه الاعتمادات.
في المقابل، لا تزال المعطيات المرتبطة بميزانية برنامج تطوان غائبة عن التداول العمومي، في ظل صمت غير مبرر حول مصادر التمويل وكيفية صرفها. والأكثر دلالة، أن اللجنة المشرفة على التظاهرة عقدت ندوة إعلامية لتقديم البرنامج، دون أن تكشف عن أي تفاصيل مالية أو أرقام مرتبطة بالميزانية، وهو ما زاد من حدة التساؤلات بدل أن يبددها.
لكن ما يثير القلق أكثر، هو الغياب اللافت لعدد من المفكرين والكتاب والفنانين من هذا المشهد، وكأن التظاهرة تُدار بمعزل عن نخبها الثقافية الحقيقية. هذا الإقصاء غير المعلن يطرح تساؤلات عميقة حول إشعاع ثقافي دون إشراك الفاعلين الحقيقيين في الحقل الثقافي.
وإذا كانت التظاهرة ترفع تحت شعار “عاصمة الثقافة والحوار”، فإن الغائب الأكبر في البرنامج هو ” الحوار نفسه” فلا أثر واضح لأنشطة تؤسس لحوار حقيقي مع الآخر، سواء على المستوى المتوسطي أو حتى الوطني.
إن الجمع بين فوضى البرمجة وغموض الميزانية لا يمكن أن يكون صدفة، بل يعكس خللا بنيويا في تدبير تظاهرة كان يُفترض أن تعكس صورة مدينة عريقة مثل تطوان، لا أن تضعها في موقع المساءلة والانتقاد. وما يحدث اليوم هو تقزيم فعلي لقيمة حدث ثقافي كان يمكن أن يشكل لحظة إشعاع حقيقية للمدينة. فتطوان، بتاريخها الثقافي والحضاري، لا تستحق أن تُدار بهذا القدر من الارتجال.
