تحت القائمة

التحقيق السري ج2 .. شبكة مخدرات دولية تنشط في سبتة تحت أعين المراقبة الأمنية

استكمالا لما كشفه الجزء الأول من هذا التحقيق الاستقصائي الحصري الذي تنشره جريدة “تطواني” حول نشاط شبكة تهريب دولية عابرة للحدود تنشط بمدينة سبتة، نواصل في هذا الجزء الثاني تفكيك خيوط واحدة من أخطر العمليات المشبوهة التي رصدتها الأجهزة الأمنية، مستندين إلى معطيات دقيقة واردة في محاضر رسمية للشرطة الإسبانية.

هذه الحلقة تكشف تفاصيل ميدانية أكثر عمقا حول أساليب الاشتغال، توزيع الأدوار، ومستوى الحيطة الأمنية الذي تعتمده الشبكة، بما يعزز فرضية وجود تنظيم محكم يتجاوز الطابع المحلي نحو امتدادات دولية.

الجزء الأول من هنا : من سبتة إلى أوروبا .. “تطواني” يكشف خيوط تنظيم معقد في قلب تحقيق سري

استكمالا لما كشفه الجزء الأول من هذا التحقيق الاستقصائي الذي تنشره “تطواني”، تتقاطع معطيات ميدانية جديدة مع ما ورد في محاضر رسمية للشرطة الإسبانية، لترسم صورة أكثر تعقيدا حول نشاط شبكة يُشتبه في ارتباطها بعمليات تهريب عابرة للحدود داخل مدينة سبتة حيث تؤكد مصادر أمنية متطابقة أن ما يجري ليس تحركات معزولة، بل نمط اشتغال منظم يخضع لتنسيق دقيق.

ووفقا لما وثقته محاضر الشرطة الإسبانية، رصدت عناصر المراقبة خروج أحد الأفراد المشتبهين بهم نالم عامر عبد السلام من منزل بمنطقة “أركوس كيبـرادوس”، قبل أن يشرع في تفقد محيط المكان بشكل لافت، مع بقائه في اتصال هاتفي مستمر. هذا السلوك، بحسب مصدر أمني مطلع على مجريات التحقيق، يُعد من المؤشرات الكلاسيكية لما يُعرف بـ”تأمين المحيط” قبل تنفيذ أي عملية حساسة.

لاحقا، تصل سيارة من نوع “هيونداي تراجيت” تحمل ترقيم 3560DYM، تعود ملكيتها – حسب نفس المحضر – إلى م. بوزلام، بينما تم تحديد هوية السائق على أنه يامار عبد القادر أحمد، المزداد بمدينة سبتة. ووفقا للمعطيات الأمنية، قام نالم بتوجيه السائق للتوقف مباشرة أمام المنزل، قبل أن يتدخل شخص آخر – وُصف في المحضر بمرتدي سترة صفراء – للشروع في تفريغ الحمولة. ووفق نفس المصدر الأمني، فإن طريقة تمركزهما وتوزيع انتباههما على مداخل الشارع تعكس اعتماد أسلوب “نقط المراقبة” الذي تلجأ إليه الشبكات المنظمة لرصد أي تحركات مشبوهة أو وجود أمني محتمل.

المعطيات التي تضمنها محضر الشرطة الإسبانية تشير إلى لحظة وصول سيارة إلى المكان، حيث توقفت مباشرة أمام باب المنزل، في توقيت دقيق يوحي بوجود تنسيق مسبق. هنا، تتسارع الأحداث: فتح صندوق السيارة، نقل ثلاث حقائب كبيرة الحجم بسرعة إلى الداخل، في عملية لم تستغرق سوى دقائق. وبحسب نفس المحضر، فقد بدا واضحا على المنفذين أنهم يتعاملون مع حمولة ثقيلة، ما يرجح – وفق تقديرات المحققين – أنها مواد محظورة، يُحتمل أن تكون مخدرات.

هذا النوع من العمليات حسب ذات المصادر، “يحمل بصمة شبكات التهريب المحترفة، التي تعتمد السرعة، الصمت، وتوزيع الأدوار بدقة لتقليل هامش الخطأ”. ويضيف المصدر ذاته أن استخدام أكياس كبيرة من هذا النوع شائع في نقل كميات معتبرة من المواد المخدرة.

بعد انتهاء عملية التفريغ، تؤكد محاضر الشرطة أن السيارة غادرت المكان فورا، بينما استمر الشخص الذي كان يشرف على العملية في مراقبة محيط المنزل، قبل أن يغادر لاحقا رفقة امرأة تم التعرف عليها من طرف العناصر الأمنية.

في اليوم الموالي، تعود نفس النقطة إلى دائرة الضوء. فحسب ما جاء في وثائق المراقبة الأمنية، تم رصد تحركات لعدة أشخاص في محيط المنزل، يقومون بأدوار مراقبة واضحة. أحدهم، ووفقا لمصدر أمني، أجرى لقاء سريعا مع شخص مجهول، تسلم منه ما يُعتقد أنه هاتف محمول، في خطوة قد تعكس اعتماد وسائل تواصل يصعب تتبعها من طرف الأجهزة الأمنية.

لاحقا، تسجل المحاضر وصول سيارة أخرى، ونزول شخص مجهول دخل إلى المنزل، قبل أن يلتقي بكل من نالم عامر عبد السلام ومصطفى الشعيري البروزي في اجتماع وصف – حسب مصدر أمني – بـ”العملياتي”، جرى تحت مراقبة مشددة من عنصر آخر يتولى مراقبة محيط اللقاء، في سلوك يندرج ضمن ما يُعرف بإجراءات “الحماية الميدانية” للاجتماعات الحساسة.

الأكثر دلالة، وفق محاضر الشرطة الإسبانية، هو الطريقة التي تمت بها مغادرة المكان. إذ لم تتحرك السيارة مباشرة، بل تم أولا تأمين الشارع ومراقبته، قبل الانطلاق بعد التأكد من خلوه. هذا السلوك، بحسب مصادر مطلعة، يُصنف ضمن تقنيات “المراقبة المضادة” التي تعتمدها الشبكات الإجرامية لتفادي أي تعقب.

عند تجميع هذه المعطيات، كما وردت في محاضر الشرطة الإسبانية وتقاطعت مع مصادر أمنية متعددة، تتضح ملامح بنية تنظيمية محكمة: أفراد مكلفون بالمراقبة، آخرون بالتنفيذ، وآخرون بالتنسيق. شبكة لا تشتغل بعشوائية، بل وفق نظام دقيق يعكس خبرة ميدانية، وربما ارتباطًا بامتدادات خارجية.

ما تكشفه هذه الحلقة، استنادا إلى محاضر الشرطة الإسبانية ومصادر أمنية متطابقة، ليس سوى جزء من صورة أكبر… صورة بدأت تتضح، لكنها لم تكتمل بعد.

يتبع