تحت القائمة

النظام الأساسي لإنتاج “المآسي”

بقلم : منعم أولاد عبد الكريم

منعم أولاد عبد الكريم

يعيش قطاع التربية الوطنية بالمغرب خلال الأسابيع الأخيرة أجواء من الاحتقان الحاد، مع سيادة الكثير من اليأس والإحباط وسط الشغيلة التعليمية، بسبب قيام وزارة التربية الوطنية بإصدار نظام أساسي جديد خاص بموظفي القطاع تصفه الشغيلة التعليمية ب”نظام المآسي”. ولفهم دواعي الغضب الشديد الذي باتت تعبر عنه الشغيلة التعليمية بالمغرب بمختلف الأشكال الاحتجاجية، كان ولابد من محاولة فهم كيف لنظام أساسي ان يتحول إلى أداة معرقلة للاشتغال الطبيعي لقطاع حساس كالتربية والتعليم، وذلك من خلال ملاحظة مدى مواءمة النظام الأساسي الجديد الخاص بموظفي التربية الوطنية للمبادئ التي ينبغي أن تتأسس عليها الأنظمة الخاصة بموظفي للقطاعات الحكومية، والتي تعتبر أهمها:

1. العدالة والإنصاف:

الأنظمة الأساسية ينبغي ان تجسد حرص الدولة على تكافؤ الفرص والحد من التفاوتات الصارخة والتمييز داخل قطاع معين، ثم العدالة في توزيع وإسناد المهام والمسؤوليات.

2. الحرية:
إذا لا يجوز لأي شخص أن يمنع الغير من العمل أو يرغمه على العمل ضد مشيئته، كما تنص عليه التشريعات المعمول بها في مجال الشغل. فالحرية داخل مجال الوظيفة تبقى هي الأساس، وبالتالي فإن الإكراه مرفوض. والنظام الأساسي يجب أن يعمل على تقنين الحرية في مزاولة العمل لا ان يشرعن وسائل وأساليب الإكراه.

3. العطاء والمردودية والإبداع:
الحرص على تفعيل الآليات الكفيلة بالرفع من مردودية الموارد البشرية من خلال توفير ظروف وشروط ووسائل العمل اللازمة، وبرامج مضبوطة ومعقولة لتأهيل وإعادة تأهيل الموارد البشرية، من خلال تكوين أساسي يستجيب لحجم التحديات وتكوين مستمر يراعي متغيرات ومستجدات وتطور المهنة، وذلك حتى تكون تلك الموارد البشرية قادرة على أداء المهام الموكلة إليها على أحسن وجه، مع الحرص أيضا على منحها مجالات محترمة للإبداع والابتكار. وهذا الامر يحبلنا على مبدء آخر وهو:

4. المكافأة والتحفيز من خلال سن نسق ترقي ناجع وسريع وتعويضات محفزة، بما يوفر مسارا مهنيا تصاعديا وواعدا، يحقق الاستقرار المادي والنفسي والمهني للموظف.

5. الانضباط والتأديب:

بغاية ضبط العلاقات بين مختلف المتدخلين داخل القطاع من خلال نظام انضباطي عادل ومتناسب مع طبيعة الوظيفة ونوعبة المخالفات.

6. استمرارية المرفق العام:
وهو المبدء الرئيسي الذي يجب ان يتأسس عليه أي قانون او نص تشريعي يعني بالقطاعات العمومية. وإن توافر كل العوامل السابقة يحقق، لا محالة، استمرار المرفق العام، من حيث ضمان ديمومة واستقرار الخدمات وعدم تقطعها بشكل قد يضر بمصالح المرتفقين وبالتالي مصالح الدولة.

وهنا يصير السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تتوفر هذه المبادئ الجوهرية في النظام الأساسي الجديد الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية ؟؟

الجواب بالتأكيد هو “لا”، لأننا أمام نظام غير متناسق ولا متجانس، ولا يلامس المشاكل الحقيقية للشغيلة التعليمية وبعيد جدا عن تحقيق انتظاراتها، كما أنه لا يراعي حساسية المرحلة وصعوبة الظرف العام الذي يجتازه الوطن. بل هو نظام تراجعي، تمت صياغته وفق منطق سلطوي، في سياق عام مبصوم بالتراجعات والانتكاسات في المجالات الحقوقية والسياسية والنقابية، مع “تغول” الإدارة… لهذا فهذا النظام يصح وصفه ب”نظام المآسي” من حيث أنه:

1. يضع مسوغات لبعض التعسفات والتجاوزات التي كانت تمارس على الشغيلة التعليمية بشكل منفرد ليتم تعميمها وتقنينها بمقتضى هذا النص التشريعي، وذلك من خلال إتقال كاهل الأساتذة بالمهام والأعباء ولو خارج التكوين الذي تلقونه أو مجالات تخصصاتهم، بدل الحرص على الدقة في توزيع المهام وفق معايير مضبوطة، مع ما يتطلبه ذلك من فتح للقطاع في وجه الكفاءات التي يزخر بها المغرب في مختلف المجالات من خلال التوظيف القار.

2. لا يحقق العدالة الاجرية داخل حقل الوظيفة العمومية كما كانت تتوق إليه الشغيلة التعليمية، بل على النقيض من ذلك، تجده يكرس التفاوتات والفوارق بين مكونات الجسد التعليمي نفسه ويدكي الحزازات والتفرفة فيما بينها، وبالتالي إفراز قطاع معطوب، مشتت ومفتت، لا يمكن بأي حال من الأحوال أداء رسالته النبيلة والثقيلة.

3. يكرس الحكرة والخنوع داخل القطاع ويقلص من هوامش الحرية والإبداع والابتكار والعطاء بالنسبة للشغيلة التعليمية. حيث نجد أن صفة “أستاذ/ة”، مع ما تحمله من ثمثلات راقية ووظائف اجتماعية جليلة ووضع اعتباري رفيع، يحاول هذا النظام الأساسي الجديد إسقاطها عن أساتذة المغرب من خلال تحويلهم إلى مجرد أجراء ومستخدمين موضوعين رهن إشارة الإدارة متى وكيف شاءت.

4. لم يقدم أية إضافة إيجابية للنهوض بحقل التربية الوطنية وبأوضاع الشغيلة التعليمية، بل زاد من تأزيم الوضع العام داخل قطاع التعليم ورفع الاحتقان به الى مستوى غير مسبوق، مما أدى إلى توقف الدراسة في عدة مناسبات، وهدر الزمن التربوي، وبالتالي ضرب مبدء استمرارية المرفق العام.

5. يكرس الهشاشة والفقر وسط الأسرة التعليمية ذات الأجور الهزيلة في الأصل، خصوصا في ظل التضخم الهيكلي الذي بات يعاني منه الاقتصاد المغربي، وهو ما صار يعد ضربا للاستقرار المادي والنفسي والمهني للأساتذة، الذين يعتبرون ركيزة من الركائز الأساسية التي تقوم عليها المدرسة العمومية، وبالتالي فإن هذا النظام الأساسي التراجعي لا يمكن فهمه إلا على انه استهداف للمدرسة العمومية، وتجسيد لمخطط ما يرمي إلى تفكيكهها.

كما أن هذا النظام يعكس النظر الدونية للحكومة الحالية لقطاع حيوي واستراتيجي كالتربية والتكوين، على اعتبار أن مجمل قراراتها المرتبطة بهذا الحقل كانت مخالفة لشعارات الإصلاح والجودة وتكافؤ الفرص والمساواة والإنصاف وإرساء مدرسة جديدة والارتقاء بالفرد والمجتمع التي جاءت بها الرؤية الاستراتيجية 2015-30.
فهل نحن أمام نظام أساسي جديد لتفريخ المآسي داخل حقل جوهري وحيوي كالتربية والتعليم؟