تحت القائمة

إسبانيا.. هل أطلق سانشيز رصاصة الرحمة على “بوديموس”؟

منعم أولاد عبد الكريم

منعم أولاد عبد الكريم

شهدت إسبانيا خلال الأشهر الأخيرة مخاضا سياسيا عسيرا من أجل تشكيل حكومة جديدة على ضوء نتائج الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها التي جرت خلال شهر يوليوز الأخير. وكانت هذه الاستحقاقات قد أفرزت فوز الحزب الشعبي PP بالمركز الاول ب137 مقعدا متقدما على الحزب الاشتراكي العمالي الحاكم ب15 مقعدا. ورغم تزعمه لنتائج الانتخابات، عجز الحزب الشعبي بقيادة “ألبيرتو نونييز فييخو” عن تشكيل الحكومة بعدما فشل في نيل ثقة مجلس النواب الاسباني خلال جلستي التنصيب المنعقدتين أواخر شهر شتنبر الماضي، حيث ظل على بعد أربعة مقاعد عن حاجز الأغلبية المحدد في 176 مقعدا.

وفي ظل هذا المعطى، اضطر العاهل الإسباني فيليبي السادس لتفعيل المادة 99 من الدستور الاسباني (1978) حيث قام بتكليف زعيم حزب PSOE، بيدرو سانشيز، الحائز على المركز الثاني في الانتخابات التشريعية الاخيرة، بالتحضير لتنصيبه رئيسا للحكومة أمام جلسة برلمانية في أجل شهرين. وهو ما تم فعلا في 16 نونبر الجاري، بعد ان منحت الجلسة العامة لمجلس النواب الاسباني ثقتها للسيد بيدرو سانشيز المرشح لرئاسة الحكومة خلال شوط التصويت الأول، حصل خلاله على الأغلبية المطلقة في المجلس ب 179 صوتًا مقابل 171 صوتًا معارضًا. وقد لعبت التحالفات السياسية التي استطاع حسمها سانشيز دورا محوريا في تنصيبه رئيسا للحكومة لولاية ثالثة، خصوصا ذاك الاتفاق الذي جمعه بحزب Junts الكتالوني الانفصالي، رغم ما رافق ذلك من جدل واسع واحتجاجات عارمة في إسبانيا.

وبعد الإعلان عن تشكيلة الحكومة الإسبانية الجديدة، يوم 17 نونبر، اتضح ان أكبر خاسر في كل هذا الصراع السياسي الذي عاشته إسبانيا كان هو حزب “بوديموس” الفتي، بعد إقصاء أعضائه كليا من الحقائب الوزارية ال22 (10 رجال و12 امرأة)، وهو الذي كان قد لعب دورا حاسما في بلوغ الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني PSOE الى قيادة الحكومة الإسبانية خلال الولايتين السابقتين (2018 و2020). وتعتبر هاته ضربة موجعة جدا، وربما “رصاصة الرحمة” لحزب “بوديموس” اليساري التقدمي، خصوصا بعد فقدانه لكم هائل من الأصوات خلال الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة، فيما اعتبره الكثير من المتابعين تراجعا كبيرا في شعبية هذا الحزب وبداية أفول نجمه، ودخوله مرحلة التلاشي التلقائي، لينضاف الى حزب “سيودادانوس” اليميني الذي تحول أيضا إلى مكون «ميكروسكوبي» داخل الساحة السياسية الإسبانية، بعد أن كان الحزبان قد شكلا ظاهرة مفاجئة خلال الانتخابات الرئاسية لسنة 2015, مما اعتبر حينها تأشيرا على نهاية عهد الثنائية الحزبية في الجارة إسبانيا.

وتعزي بعد الآراء في إسبانيا سبب إبعاد حزب “بوديموس عن الحكومة إلى اعتبارات تكتيكية تهم خلافات مع الحزب الاشتراكي العمالي بخصوص بعض السياسات الحكومية والبرامج الانتخابية من قبيل تنزيل بعض البرامج ذات البعد الاجتماعي وسياسة التمكين النسائي ومقاربة النوع، إضافة إلى مجموعة من القضايا الخلافية ذات البعد الدولي كمواقف حزب “بوديموس” من الحرب في أوكرانيا، والعدوان الإسرائيلي على غزة ثم قضية النزاع في الصحراء المغربية، التي تختلف عن توجهات الدولة الإسبانية الاستراتيجية في هذا المجال.

بينما هناك قراءات أخرى تذهب في اتجاه نسبب إقصاء أعضاء وقادة “بوديموس” من الاستوزار، -رغم تواجد الحزب بحلف SUMAR اليساري، الذي مهد الطريق أمام سانشيز للعودة إلى قصر “المونكلووا”- إلى وجود استراتيجيا لإبقاء حزب «بوديموس» بعيدا عن دواليب الحكم والقرار بإسبانيا، بسب توجهاته اليسارية الراديكالية والمزعجة، من خلال احتوائه أولا، فإضعافه جماهيريا وانتخابيا والحد من امتداداته وتأثيره ثانيا، ثم دفعه نحو الموت البطيء أخيرا، وهو الخارج من رحم الحراك الشعبي الذي شهدته إسبانيا سنة 2011 الذي أطلق عليه اسم «حركة 15 ماي» أو «حركة الساخطين» INDIGNADOS التي تصنف في عداد الحركات المعادية للنظام السياسي Antisistema في إسبانيا.

وهذا الطرح الذي يبدو لنا وجيها إلى حدود ما، شبيه بالسيناريو الذي تعرض له الحرب الشيوعي الإسباني PCE بقيادة زعيمه التاريخي الراحل «سانتياغو كارييو»، خلال السنوات الأولى من العهد الديمقراطي، حيث اختارت الدولة الإسبانية حينها توجها يهدف إلى دمجه في صلب النسيج السياسي الإسباني ومن تم إضعافه شعبيا وانتخابيا ثم دفعه إلى الموت السياسي فالتلاشي، بدلا عن خيار المنع والحل كما كان يدعو إليه أنصار العهد الفرنكاوي. وهو، ربما نفس السيناريو الذي يتم استدراج أحزاب التوجهات الانفصالية في كتالونيا نحوه.