“عريس الموت” رواية لعبد الحميد البجوقي عن الحب والكره
يوسف خليل السباعي / تطواني
” عريس الموت” للقاص والروائي عبد الحميد البجوقي من الروايات التاريخية التي لم تأخذ حقها في القراءات النقدية والتأويلية مثل روايات عديدة، وقد أكون خاطئا، قرأتها مرة أولى ولم أنهيها حتى اليوم، قد أعود إليها لقراءتها مرة أخرى.
سبق لعبد الحميد البجوقي أن تحدث بطريقة ما، عن روايته، وقد يكون تحدث عنها بشكل بالغ الدقة لما تحتويه هذه الرواية على الجدة والتنوع في الكتابة الروائية بالمغرب، وذلك بعد سباق المسافات الطويلة في كتاباته- رواياته السابقة. وهي رواية كتبها عبد الحميد البجوقي متنقلا بين مرتيل ومدريد مباشرة بعد فتح الحدود بين إسبانيا والمغرب التي كانت مغلقة بسبب جائحة الكوفيد كما يقول.
حاول عبد الحميد في هذه الرواية نزع القناع عن مشاركة الجنود المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية من خلال رؤيته لهذه المشاركة بواسطة متخيله لهذه المشاركة وتداعياتها. وفي حقيقة الأمر، حتى وإن أنكر عبد الحميد البجوقي تصنيف روايته” عريس الموت” على أنها رواية تاريخية، إلا أنها، وفي منظوري الشخصي، تندرج في هذا الباب، لكون تفصيلات أحداث وحالات الرواية تثبت ذلك، بيد أن ما يميز الروائي عن المؤرخ، وفي هذا المنحى توجد ” حقيقة” الروائي عبد الحميد البجوقي هو أنه تجاوز الوقائعي والتوثيقي، الذي هو من اهتمام المؤرخ، إلى التخييلي والمتخيل، جاعلا من الرواية خطاب مجتمع لنفسه كما يقول فيليب سولرس.
إن عبد الحميد البجوقي لم يكتب هذه الرواية بجسده فقط، بل بذاكرته تاركا للقائم بالسرد والتعريف والوصف أن يجعل من الرواية هذا الذهاب والإياب بين ضفتين، ومجتمعين، مثيرا ازدواجية قائمة في صلب الحياة نفسها، هي ازدواجية الحب والكره، أو كما يقول هو ذاته: ” لم يكن زادي في كتابة هذه الرواية سوى الخيال ومعايشتي للإسبان لما يقرب من أربعة عقود لمست خلالها مدى استمرار حضور المورو في مخيلة الإسبان بشكل نمطي مثير لثنائية غريبة من الحب والكره“.
لقد استعان الروائي عبد الحميد البجوقي، كما يقول، بالعديد من المراجع الإسبانية والمغربية اعتمدها أساسا لتدقيق الأحداث والأسماء والأمكنة. وهذا يعني أن الرواية كتبت انطلاقا من معايشة وتذكيرية أو استذكار وبحث دقيق، وهذا معروف، لأن الرواية لاتكتب انطلاقا من الإلهام، وإن كانت نسبته قليلة، وإنما من ما يقرأ ويعاش ويرى ويسمع ومن خلال الكناية، وكذلك من البحث، وهذا ماقام به فلوبير في كتابة روايته ” سلامبو” حيث قام ببحث دقيق وطويل في غضون كتابتها، كما قام أيضا بزيارة العديد من الأمكنة ووقف على حقائق محددة، ومع ذلك كانت روايتيه “مدام بوفاري” و” بوفار وبيكوشي” أفضل من “سلامبو”.
وإذن، هل تكون رواية ” الجنيس” أفضل من ” عريس الموت” ؟. إن “الجنيس” هي رواية تغوص في حادثات عاشها وعايشها الروائي ذاته فجمعت بين السير ذاتي والتخييلي، فكل لحظة سردية في الجنيس تلمح لما حدث وما يحدث، ولثنائية الصراع والغوص في التناقضات التي يعيشها المهاجرون، إنها رواية صاعدة من ذات الروائي في تعدديتها. ومع ذلك، ستبقى ” عريس الموت” شاهدة دلاليا على حرب قذرة دفع المغاربة ثمنها بلارحمة وشاركوا فيها بغير وعي وإنما بدافع الخدعة! إنها رواية عن تغيارات الحب والكره عبر مرور الزمن.
– الرواية صادرة عن دار الفاصلة للنشر
– لوحة الغلاف من إنجاز الفنان التشكيلي عبد الواحد أشبون
