تحت القائمة

ما الذي يحدث في حزب التجمع الوطني للأحرار؟

✍️ يوسف خليل السباعي

IMG 20240507 WA0021 تطواني Tetouani تطواني
يوسف خليل السباعي

أولًا: الحزب مثل غيره… لكن!

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من الإقرار أولًا بأن حزب التجمع الوطني للأحرار، في صورته الراهنة، لا يختلف كثيرًا عن باقي الأحزاب السياسية المغربية. فالفروق بين الأحزاب لم تعد جوهرية، وإنما تنحصر في بعض التصورات والسلوكيات والتصرفات، في الوقت الذي ترفع فيه جميعها شعار الإصلاح، لكنها سرعان ما تتراجع عن تطبيقه حال وصولها إلى السلطة.

في الانتخابات التشريعية الأخيرة، ساعد القاسم الانتخابي المعتمد على عدد المسجلين في اللوائح، والمصوتين الفعليين، ونسبة العزوف، على تصدّر حزب التجمع الوطني للأحرار المشهد، ليقود الحكومة إلى جانب حزبي الأصالة والمعاصرة، والاستقلال. هذا التفوق كان متوقعًا حسابيًا، لكنه كان أيضًا نتيجة ديناميات سياسية أفرزت تحالفًا حكوميًا مهيمنًا على مجلسي النواب والمستشارين، وعلى أغلب المجالس الترابية.

هذا التمركز منح الحكومة سلطة مركزية واسعة، استُغلت في الإعلان عن إصلاحات كبرى ضمن ما سُمي بـ”الدولة الاجتماعية”. غير أن هذه الإصلاحات لم تتجسد فعليًا على أرض الواقع، رغم الميزانيات التي يُتحدث عنها. والنتيجة أن الحكومة لم تستطع قراءة الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتدهور بدقة، فارتفعت الأسعار، وتفشى الغلاء، واستمرت البطالة، وبقي قطاعا التعليم والصحة في وضع غير عادل ولا متوازن، فيما تزايد الفقر، وتقلّصت الطبقة الوسطى، ولم يعد المواطن المغربي يتنفس بسهولة.

لقد صار المغرب يسير بسرعتين، كما عبّرت عن ذلك مسيرة أيت بوكماز، التي شكلت نموذجًا رمزيًا لمغاربة الهامش.

ثانيًا: حكومة بلا بوصلة

حزب التجمع الوطني للأحرار، كغيره من الأحزاب، يعاني من صعوبة في ضبط أدائه الحكومي. ورغم قيادته للتحالف الحاكم، إلا أنه فشل في تحقيق توازن معقول في التدبير، وظهرت اختلالات عميقة ساهمت في تدهوره السياسي والتنظيمي.

من بين هذه الاختلالات، بروز ظواهر مثل “الفراقشية”، وتضارب المصالح، وسوء تدبير الاستثمارات العمومية، إلى جانب تحول بعض الوزراء إلى فاعلين مقاولاتيين أكثر منهم رجال دولة. وقد انعكس ذلك على طبيعة الأداء الحكومي، الذي افتقد إلى الحس السياسي والبعد الاجتماعي، واستُبدل بمنطق تقنوقراطي ومصلحي ضيق.

أما المعارضة، فقد انقسمت إلى “معارضات”، وأصابها التشرذم واليأس، مكتفية بالتصريحات الإعلامية والندوات الصحفية وكشف بعض الملفات، دون تقديم بديل سياسي حقيقي. هذا التراجع أفسح المجال أمام رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، رجل الأعمال الثري، لفرض قبضته على كل مفاصل القرار، في وهمٍ بأنه يسيطر على كل شيء.

لكن المغرب، كدولة عريقة، وليس فقط كجهاز حكومي، يعرف جيدًا من يملك السلطة الحقيقية، إذ لا يمكن لأي حكومة، مهما كانت، أن تمسك بكل الخيوط.

محاولة السيطرة على كل شيء ليست فقط مستحيلة، بل تتجاوز حجم الحكومة نفسها، وتفتح الباب نحو الانحراف المؤسساتي. ولا أحد قادر على إعادة القطار المنحرف إلى سكته إلا المؤسسات الكبرى التي تحفظ توازن الدولة.

ثالثًا: خطاب ملكي يبدّل المعادلة

الخطاب الملكي الأخير جاء ليضع حدًّا لكثير من هذه الاختلالات، حيث تحدث بوضوح عن العدالة المجالية، وتفاوت وتيرة التنمية بين الجهات، وأكد على أهمية الانتخابات المقبلة، كمدخل للإصلاح السياسي. وقد كلّف جلالة الملك وزير الداخلية بالإشراف المباشر على العملية الانتخابية المقبلة، وضمان جودتها، وفتح مشاورات جدية مع الأحزاب السياسية.

هذا الخطاب أعاد ترتيب الأولويات، وفتح أفقًا جديدًا قد يغير وجهة الحكومة، ويؤثر على موازين القوى داخلها.
ورغم أن ملامح المرحلة المقبلة لم تتضح بعد، فإن ما جرى، منذ الخطاب، يشي بتحوّل تدريجي، وربما إعادة توجيه المسار السياسي العام.

رابعًا: أزمة داخلية… ومراجعة مؤجلة

ما يشهده حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم من نزاعات وارتباك تنظيمي هو أمر طبيعي، وقد حدث في أحزاب أخرى من قبل. لكن الإشكال لا يكمن في الانقسام أو الاختلاف الداخلي، بل في غياب مراجعة حقيقية للأداء السياسي، وللخطاب، وللرؤية التشاركية مع المواطنين.

الحزب مطالب اليوم، ليس فقط بمراجعة الأخطاء التدبيرية في الحكومة والمجالس المنتخبة، بل بمراجعة أعمق تشمل العلاقة مع الشأن العام، وطبيعة الخطاب السياسي، وآليات التواصل، وفهم الواقع المجتمعي الذي يُعرّي ضعف السياسات العمومية.

خاتمة: نحو أفق 2026

كل المؤشرات توحي بأن سنة 2026 قد تكون مفصلية في المشهد السياسي المغربي، خصوصًا إذا تم تفعيل الإصلاحات القانونية والمؤسساتية المرتبطة بالعملية الانتخابية، بما يتماشى مع التوجيهات الملكية.

إن تنظيم انتخابات جيدة، نزيهة، ومنصفة، سيكون خطوة حاسمة نحو تجديد الحياة السياسية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، ودفع البلاد نحو أفق تنموي أكثر عدالة وتوازنًا.