تحت القائمة

قصة السبت .. الحمام ( إلى سعاد الناصر )

يوسف خليل السباعي/ تطواني

أمر حزينا من أمام الكنيسة والنافورة فيتجمع الحمام. أنظر إلى الحمام وهو يأكل حباته وأظل واقفا. كان صوتها يأتي من بعيد، صوت رفيق وحنون:
– أنا من كتبت كل تلك الروايات عن تطوان.
قلت لصوتها:
– روايات تستحق القراءة.
وكان المارة ينظرون إلي بدهشة وغرابة وكان بعض زبناء المقهى يحركون شفاههم:
قال الأول لصاحبه:
-أنظر لذلك الأحمق إنه يكلم نفسه أو يتكلم مع الحمام. هل يتكلم أحد مع الحيوان.
وقال الثاني لصاحبه:
– هذا الأحمق منع عنا ضوء النهار، إنه يقف مثل ستارة حمراء.
كانت هناك امرأة شقراء تضع وشم ثور على ذراعها الأيمن وكان قميصها مفتوحا شيئا ما وكأنها مفتتنة بجمال جسمها الذي سيشيخ يوما ما:
– هذا الأحمق يريد أن يسرق حمامة أو أخرى. يظهر أنه جائع… وبئيس… يالطيف… امتلأت بكم المدينة.
كانت تتكلم وكأنها توجه سهما إلى قلبي.
قلت في سري:
– ياليتني ما سمعتها… لكنني واقف حيث الكنيسة والنافورة والحمام. إنهم يذكرونني بالماضي.
وفكرت في الماضي لكنه كان بعيدا كما هو حال الصوت القادم من بعيد، حاملا معه ثقل الزمن ومرور العمر وأطوار الحياة ونبضاتها.
نظرت مرة أخرى إلى الحمام الذي يجتمع على نثار الأكل وتذكرت نثارا من كتاباتي الضائعة. ولما رفعت رأسي إلى السماء الزرقاء رأيت ملاكا أشبه ما يكون بملاك ” السيدة نون”* لكنني أغمضت عيوني فرأيت سعاد الناصر وهي تحمل رواياتها الثلاث عابرة الشارع… لوحت لي بيدها اليسرى، بينما كانت تحمل في يدها اليمنى كأنها ظلة وطوق الفقد وقاب قوسين أو أدنى*… اقتربت سعاد من الحمام فلم يحلق… استغرب الجميع ومنهم زبناء المقهى ونهضوا… خرج بعضهم من المقهى… وهم يصيحون:
– هذا لم يحدث أبدا!… إنها ملاك… هذه السيدة تمتلك قلبا طيبا… إنها شاعرة… إنها تمتلك الدواء… إنها وإنها…
قبل أن تتابع سعاد سيرها وهي تحمل رواياتها قالت لهم:
– هذا الحمام هو مابقي لنا… لنحافظ عليه… لنطعمه… ونمنحه الماء… ونحضنه.
قالت المرأة الشقراء:
– أيتها السيدة الموقرة. إننا أحببناك… وأنا أحمل وشم الثور وأنا صاحبة الثيران… أيتها السيدة الموقرة. هذا الحمام أيضا أحبك. هل تدلنا على طريقة لايقاف الغزلان عن الجري بلا نفع… وطريقة نحطم بها الأفاعي والضباع.
ابتسمت سعاد:
– لا… هناك الله… الله الواحد الأحد الفرد الصمد… ﴿ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم خالِقُ كُلِّ شَيءٍ لا إِلهَ إِلّا هُوَ فَأَنّى تُؤفَكونَ﴾ [غافر: ٦٢]

سكتت المرأة صاحبة وشم الثور، تابع المارة تحركاتهم… وعاد الزبناء لكراسيهم… وبقيت أنا واقفا أمام الحمام أنظر إلى الكنيسة والنافورة.
وبلا انتباه، حركت قدمي اليمنى فطار الحمام…فكرت وقلت في سري:
– من المحتم أنهم سيعودون… لأن لا أحد يترك حباته بسهولة.

إشارة

* كتاب ” السيدة نون وقصص أخرى”
* روايات للكاتبة والمبدعة سعاد الناصر

▪ انتهت يوم الخميس 27 يونيو 2024