تحت القائمة

مقال رأي .. النسق

يوسف خليل السباعي

إن أي نسق Système محشو بالمعلومات وبالبرامج، وخاضع لقواعد وضوابط حتى لا أقول قوانين. وهكذا إذا دخله شيء غريب يحذفه. لماذا؟ لأنه غريب عنه. هذه معضلة التكنولوجيا، على الرغم من تطورها هي مرصودة للشك إذ أنها تعتبر أي طارئ غريب ومخادع.

إن التكنولوجيا ليس لها أوعاء، ولكن، مع ذلك، لا مفر منها.
ولهذا سنجد تخوفا عند رولان بارت الذي اعتبر من فترته أننا نعيش في “عصر الدخان” ( نقلا عن عالم المعرفة)، حيث أن أفضل تعبير أطلقه رولان بارت على العصر هو “عصر الدخان”: الرماد، التلوث، والغموض. وأن نصف الحقيقة يجب أن يتحطم، وهكذا، يعدون للفجيعة نقطة ماء… وأن المخيلة الإنسانية آيلة الى الموت، وأن العالم سائر لامحالة إلى نوع جديد من الفاشية التي تستلب رد الفعل وتفسح المجال أمام نشوء كائنات آلية. ويعود ذلك إلى النظام السياسي بمعناه العام، والى الهيمنة التكنولوجية التي قضت على حضارة الكتاب وخلقت عوضا عنها حضارة الصورة. وهذا ما سيؤدي بالضرورة الى تغيير مخيلة الإنسان التي تكونت من التراث المكتوب خلال آلاف السنين. والتغيير هنا يعني الإضمحلال، لأن التكنولوجيا تتعمد ألا تقتنع بالحلول الوسطية، فهي تريد إجتثاث كل شيء لتقيم مكانه أسسا حياتية أخرى جديدة.”.

من جانبها، ومن صفحتها، ترى زهور كرام في كتابها “الإنسانيات والرقميات مابعد كورونا” أن:” هذا الكتاب فيه دعوة للانتقال من العلوم الإنسانية إلى الإنسانيات الرقمية. لأن موقع الإنسان الذي يشكل موضوع العلوم الإنسانية قد تغير مع العصر الرقمي، ولذلك وجب تغير مناهج وأدوات التفكير في الإنسان وهو يعرف موقعا جديدا ضمن نظام العصر التكنولوجي.

تدفع مقدمة الكتاب بالتفكير إلى تجديد أدواته ومناهجه وعلومه. وتدعو فصوله إلى تأمل واقع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوت في تغيير أوجه الحياة.
كل مرحلة يلزمها علوم جديدة للتفكير فيها. المستقبل لا يقبل الفراغ مثل الحياة. دعوة للتفكير المشترك من أجل إنتاج وعي بموقعنا في العصر الجديدة”.

ويبدو أن سعيد يقطين وزهور كرام كانا لهما وعي بهذا التطور الذي تعرفه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقميات، حيث اشتغلا على هذه الجوانب ومنها الكتاب الرقمي، إلا أن كل هذا لن يحجب الكتاب الورقي… ليس هذا دفاع عن الكتاب الورقي، لأن الكتاب الورقي هو حاضر في العالم بكثرة… وإنما كل هذا يدعونا إلى التفكير في النسق وكيفية التعامل معه في وقتنا الراهن. ذلك أن الأمر اليوم لا يقتصر على النسق الثقافي كما يراه ميشيل فوكو، ولكن على نسق مختلف. نسق تكنولوجي يهيمن على العالم ويفرض إيديولوجيته ويخلق أقطابه. ومع كل هذا، إنه واقع تكنولوجي فعلي علينا إدراكه وضروري التعامل معه، فالرقمنة هي بحث عن موقع لنا في العالم، وإلا سنظل واقفين في محلنا.