
من عادتي أحيانا أن أبتدئ مقالاتي بسؤال أو أسئلة، ولكن هذا لايتكرر كثيرا ولكن السؤال أو الأسئلة ماثلة حتى وإن لم أتعمد استحضارها. هل يتعلق الأمر، والحالة هذه، بسبب أو بأسباب، لأنه كما يقال لكل شيء ثمنه، فإن السبب قائم بذاته؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من التذكير بأنني أتحدث هنا عن الشعر وليس عن الرواية أو القصة أو القصة القصيرة أو القصيرة جدا، ولا عن المسرح أو السينما، أو الفن التشكيلي أو غير ذلك.
والحقيقة أنه لابد من خلق ضوضاء بخصوص هذا الموضوع، ذلك أن الشعر هو ديوان العرب، فالشعر العربي قديم جدا، وأعطي له قيمة كبيرة جدا، وعرف عبر الحقب والعصور والمراحل، تراجعات وتطورات وتغيارات، وساهم العديد من الشعراء والنقاد في التحولات التي يعرفها الشعر العربي حتى وقتنا الحاضر حيث تم الانتقال إلى عالم مغاير. ونحن في المغرب عندنا شعراء كتبوا الشعر على مراحل، وهذا يحتاج إلى بحث عميق ( لايعني هذا أنه ليس هناك أبحاث ودراسات في الموضوع) وهناك من منهم يواصل كتابة الشعر والأسماء معروفة حتى لا أدخل في تفصيلات لايسع الحيز لذكرها. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل لدينا شعر مغربي يتميز بخصوصيته وخصوبته انطلاقا من مخيلات شعرية ذات فرادة مميزة؟ الجواب، نعم، لدينا شعراء ( رجالا ونساء) يكتبون شعرا مغربيا بلغة عربية مختلفة عن الشعراء الآخرين، إلا أن هناك تأثر عند البعض، أو لنوسع الكلمة، ونعطيها بعدا آخر، لا علاقة له بالتأثر، وهو التناص، حيث أن الخطأ الذي وقع فيه بعض الشعراء المغاربة ( رجالا ونساء) هو تأثرهم بمحمود درويش وأدونيس كنماذج، وهو الذي جعل نصوصهم مكشوفة ومفضوحة.
والآن، ماذا أرى؟ إن الشعر لم يعد محصورا في كتب، وبالفعل هناك كتب تصدر لشعراء ( رجالا ونساء) ولكنها لا تقرأ نقديا، أو لايتم الانتباه لها حتى على مستوى النقد الجامعي الذي أضحى كسولا اليوم، وينبغي أن يتحرك وينفتح على النصوص الشعرية. إن نشر نصوص قد تكون شعرا أو قد لا تكون كذلك، وهذا لايهمني، في شبكات التواصل الاجتماعي خلخل المشهد الشعري في المغرب، وكثر الكتاب والشعراء ( رجالا ونساء)، وساهمت دور الشعر، (وليس بيت الشعر، لأن هذا البيت نخبوي يعيش في زمن الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات، ويعتبر أن الشعر ينبع من شرايينه)، في تخصيب الشعر وتلقيحه وإظهار شعراء جدد ونشر دواوينهم بعد حصولها على جوائز، أو تنظيم أمسيات شعرية وبدأوا في إعطاء الشعر قيمته وردوا له اعتباره، ومع ذلك يظل هناك تراجع على صعيد القراءة والقراءة النقدية.
بطبيعة الحال، هناك تحركات لتجديد الشعر عندنا في المغرب بنظرة مغايرة، وهي كمشروع مشروعة، لأن المغرب يحتاج إلى الجدة في الشعر، من طرف الشاعر والباحث صلاح بوسريف، الذي نفض عنه غبار السنين الماضية، والذي ينبغي أن يفكر فيه كمشروع للشعراء والنقاد والجامعيين المهتمين.
وهناك هزة الشاعر جمال الموساوي الذي أشار في تدوينته إلى إشكالية نقد “الشعر” مدونا أن ” هناك تخصص عند بعض النقاد والكتاب تخصص الكتابة عن الأموات بمناسبة أو بدونها” موضحا: (أقصد الكتابة عن كتاباتهم وأنهم أصحاب عمق و…). ويبدو لي أن الدافع وراء هذه التدوينة هو تخلي النقاد عن الشعر وإهماله وما ينشر من كتب في الشعر، لأن قضية النقد لا يمكن أن تقتصر على الأحياء دون الاموات، لأن الأمر يتعلق بالمتن، هذه الكلمة العميقة عند علماء العرب، والمتن لايموت إنه يظل مركوزا في الكتب.
وبالطبع، فإن تدوينة جمال الموساوي تثير نقطة هامة للغاية لاينتبه لها كثيرا، وهي تتمثل في ضرورة الالتفات إلى ماينشر الآن من كتابات، وتحيين النقد وإعادة الروح له، إذ بدون ذلك يظل شيء ما ناقص.
ولعل سبب تراجع النقد هو الأزمة، فالأزمة لاتعني هي نشر الكثير من الكتب، وإنما هي في التكرار والاجترار ورفض بعض العناصر لمشروع جديد في الشعر ولنقد مؤثر.

